فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 284

الباب دعوته، ورفع بها الصوت جهرا" [1] فهل كان الأمر بغتة كما يزعمون؟ أو أنه كان تمثيلا بارعا متقنا أراد به أصحابه أن يظهر هذا الأمر للناس في صورة المفاجأة الرائعة التي لا تدل على تآمر سابق. وقد اختير البشروئي؛ ليكون أول مبشر بالمهدي. لأنه كان عبدا للشهرة. ومن سمات عبدة الشهرة أنهم لا يهمهم أجاءت عن طريق بطولة، أو عن طريق اقتراف جريمة تدوي لعنتها!."

أشواق تغلي إلى رؤية الموعود، وسطوة باغية من حب الشهرة مستبدة بالبشروئي حتى لا يستحيي أن يبذل في سبيلها عرضه، واستعمار يكيد في جد ولآمة؛ ليقضي على الرمق الواهن من إيران، وترنيمات ساحرة عن زهادة هذا الشاب وورعه!.

كل هذا كان بين يدي هذا الشاب المجنون الأحلام، وبين يدي البشروئي العاصف الشهوات. كلا الأحمقين كان الصيد الذي يتمنى أن يصاد، لا أن ينجو من الشرك! فعثر كلاهما بمن يصطاده! عثر البشروئي بالشاب الذي غلبته المراهقة على أمره، وبمن يضع اللقمة في جوفه، والكلمة في فمه، والخنجر في يده، وعثر الشاب بالشيخ الذي كان يناد تحت ثقل عبوديته لأطماعه! وكلاهما ظن في صاحبه أنه صيده الذي دار في الغاب طويلا يبحث عنه. وكلاهما خنع ذليلا لهذا الظن، فلتلتهم النار الهشيم، وليؤجج الهشيم النار التي تلتهمه!.

ومن ورائهما كانت الأيدي القذرة الباغية تعمل في حذر ودهاء لتحطيم إيران والقضاء على ما بقي فيها من أرماق واهنة. أو قل: كان هنالك أولئك الذين تراءوا بأنهم صفوة المؤمنين بدعوة الباب، وهم الذين كان الاستعمار يعرف الطريق جيدا إلى قلوبهم، وألسنتهم وأيديهم؛ ليضع فيها حقد الخيانة وكلمة الخيانة وثمن الخيانة. وأشد خطر على الأمة أن تضطرب في دينها، وأن ترتاب فيه، وأن تتقاتل حوله.

ولقد كان البعض من عشاق الإمام المكنون وراء سجف الغيب - حينما أعلن الباب دعوته - أشبه ما يكونون بالأم التي ضل عنها طفلها الوحيد منذ سنين فهي تملأ العشايا والأصائل مناغاة له، وتسأل عنه كل نسمة هافية فيها نفحة من عطره، وتصيخ إلى كل نأمة حيرى فيها مسَّة من سحره. حتى إذا كان اليأس يرنحها على صحراء عدمه، جيء لها بفتى جياش الفتنة مشرق الصباحة وقيل لها: هذا طفلك الحبيب يا أم الشجون! فهل تفعل شيئا سوى أن تندفع في لهف مجنون إلى احتضانه وتقبيله!؟ ولكنها بعد هدوء العاصفة تشعر بقلبها يؤكد لها أنه ليس وليدها؛ إذ لا تجد فيه أثارة من سمات ابنها ولا خصائصه التي كانت تلازمه، والتي ربطت بعض

(1) ص 72 الكواكب الدرية، وكان هذا سنة 1260 هـ - 1844 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت