الصفحة 8 من 20

الأمور التي كانت تَشغَل باله - صلى الله عليه وسلم - وهو يُواجِه العنادَ والتكذيب والأذى والكيد، والشماتة" [1] ، نعم، لقد كانت الآخرة الدنيوية والأخروية خيرًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ففي الأولى بدأ حياةَ العناء والمشقة والظلم، ثم هاجر للمدينة فأقام دولة الإسلام فيها، وربَّى الجيلَ الأول، وخرَّج العظماءَ ليتسلَّموا قيادةَ الشرق والغرب، والأخروية فله من الكرامات العظيمة والمقامات الرفيعة والأعطيات الجزيلة يوم القيامة ما ليس يخفى ويُجهَل، ومن ذلك الخير الكثير في نهر الكوثر والشفاعة، وفتح باب الجنة."

3 -المنة لله: قال تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 5 - 8] ، هذا من بعض ما أعطى اللهُ النبيَّ، فيما مضى، ولسوف يُعطيه أكثرَ وأكثر فيما يَستقبِل من الحياة، فإذا نظر النبي إلى نفسه، من مولده إلى يومه هذا الذي لقيته فيه تلك الآيات - وجد أنه وُلِد يتيمًا، فكفَله الله، وأنزله من جده عبدالمطلب وعمه أبى طالب منزلةَ أعزِّ الأبناء وأحبهم إلى آبائهم، ثم إذا نظر مرة ثانية إلى شبابه، وجد أنه كان قَلِق النفس، مُنزعِج الضمير، مما كان يرى من الحياة الضالة التي يعيش فيها قومه، ولم يكن يدري كيف يجد لنفسه سكنًا، ولقلبه اطمئنانًا وسط هذا الجوِّ الخانق، فهداه الله إلى الخَلوة إلى نفسه في غار حراء، والابتعاد عن قومه، والانقطاع إلى ربه متحنِّثًا متعبدًا، متأملًا مُتفكِّرًا، وقد ظلَّ هذا شأنه إلى أن جاءه وحي السماء، فسكب السكينة في قلبه، والطمأنينة في نفسه، إنه - صلوات الله وسلامه عليه - كان يرى أن ما عليه قومه ليس مما يَدين به عاقل، أو تستقيم به حياة العقلاء، ولم يكن يَدري - صلوات الله وسلامه عليه - كيف يُغيِّر من مسيرتهم الضالة، ولا كيف يقيم هو نفسه هو على شريعة يُبشِّر بها في الناس، ثم إذا أعاد النبي النظرَ إلى نفسه مرة ثالثة، وجد أنه كان فقيرًا عائلًا؛ أي: كثير العيال، فأغناه الله، وسدَّ حاجةَ عياله، وغاية نعيم الدنيا هي الهداية ثم القناعة والزهد فيها؛ ففي الصحيحين - من

(1) "في ظلال القرآن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت