الكمال، بل الاعتبار بحال كماله" [1] ، وهذا معنى عظيم ومفهوم عميق، قال ابن كثير:"والدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أزهد الناس في الدنيا، وأعظمهم لها إطراحًا، كما هو معلوم (بالضرورة) من سيرته. ولما خُيِّر - عليه السلام - في آخر عمره بين الخُلْد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله - عز وجل - اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية" [2] ، ويتَّسِع هذا المعنى في الدارين في الدنيا والآخرة كما سبق بيانه،"فأما في الدنيا المدلول عليه بأفعل التفضيل، أي: لدَلالته على اشتراك الأمرين في الوصف، وزيادة أحدهما على الآخر، فقد أشار إليه في هذه السورة والتي بعدها، ففي هذه السورة قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 6 - 8] ، فهي نِعَم يُعدِّدها تعالى عليه، وهي من أعظم خيرات الدنيا من صغره إلى شبابه وكِبَره، ثم اصطفائه بالرسالة، ثم حفْظه من الناس، ثم نصْره على الأعداء، وإظهار دينه وإعلاء كلمته، وأما خيرية الآخرة على الأولى، فعلى حدِّ قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5] ، وليس بعد الرضا مَطلبٌ، وفي الجملة: فإن الأولى دار عَمَلٍ وتكليف وجِهاد، والآخرة دار جزاء وثواب وإكرام، فهي لا شكَّ أفضل من الأولى" [3] . فأنت تَمضي في حياتك مُستبسِلًا تروم حولك الدنيا وشهواتها والآخرة ومكارهها، فتتردَّد في الاختيار وتتجاذُبك الغرائز، فيستمِع قلبُك لنداء الإيمان {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [الضحى: 4] ، فلا تَقبل الدنيَّةَ في دينك، ولا تقبل الضيم في مبادئك، ولا تُقدِّم أحدًا على قيمك، ودائمًا ما يَعتَرِض شيء في بدايات الدعوات من ضيق وبلاء، فتروم النفسُ مباشرة لتصور الغاية الموعودة بها، فترضى وتستأنِف طاقتَها وقواها في بذْل الخير ودعْم الفضيلة، ونشْر الحق، قال سيد:"وإنه ليدَّخِر لك ما يُرضيك من التوفيق في دعوتك، وإزاحة العقبات من طريقك، وغَلَبة منهجك، وظهور حقك، وهي
(1) "مجموع الفتاوى" (10: 299) .
(2) "تفسير القرآن العظيم".
(3) "أضواء البيان"؛ للشنقيطي.