الصفحة 6 من 20

برمَّتهم لو تركوك وقَلوك، لم يكن ذلك عندك شيء مع معيَّة الله لك، وتأييده الحق الذي معك، أفلا يعي أعيانُ الجيل هذا المعنى العظيمَ في طريقهم إلى الله، فلا يحزنوا ولا ييأسوا ولا يَنكُصوا ولا يَخذُلوا ولا يَرجُفوا ولا يَعسَروا ولا يَهِنوا ولا يحزنوا، بل تَجِدهم أوَّابين في شدة المِحَن، دعاة في شدة الفتن، متفائلين في شدة اليأس، مجاهدين في شدة البأس، البِشارة تعلو منطقَهم، والمدد من السماء يُصَب عليهم صبًّا؛ لأن الله معهم ولن يَتِرَهم أعمالَهم،"إنها بِشارة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولمن تَبِعه من العلماء والدعاة؛ أنه - سبحانه - لم يودِّع نبيَّه، كما يَزعُم المشركون، بل هو معه يؤيِّده ويَنصُره ويُثبِّته، وهو يحبه ولا يُبغِضه، بل يُدنيه إليه ويُعطيه، كيف يُبغِض مَن ينادي بالتوحيد، ويدعو إلى صراطه المستقيم، ويُقارِع الشركَ والظالمين؟! كيف يَقلي ويترك الربُّ الرحيم دُعاتِه وأنصارَه حتى تتخطَّفهم الشياطين، وهم ملتزمون بنهجه، مُكثِرون من ذِكْره، تَلهَج ألسنتُهم بالاستغفار والدعاء والترتيل لآيات القرآن؟ لم يودِّع الله أنبياءه ورسلَه ويَقليهم ويتركهم، فهذا نوح لما استنصره نصره، وقوم هود وصالح وشعيب ماذا فعل الله بهم؟ ولم يُودع الله إبراهيم - عليه السلام - لما ألقي في النار، ولم يودع يونس لما كان في بطن الحوت" [1] .

2 - {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} ؛ أي: إن مستقبل حياتك خيرٌ لك من ماضيها، وإنك تزداد عزًّا ورِفعةً كل يوم، ولعاقبة أمرك خيرٌ من بدايته؛ وقيل: إن المعنى هو أن الدار الآخرة خيرٌ لك من هذه الدار الدنيا،. قال ابن سعدي: كل حالة مُتأخِّرة من أحوالك، فإن لها الفضل على الحالة السابقة [2] ، قال ابن إسحاق:"الفرج في الدنيا، والثواب في الآخرة".

إن عادة البدايات تكون إرهاصًا للنهايات، والبدايات المُحرِقة تؤدي لنهايات مُشرِقة، قال شيخ الإسلام:"والاعتبار بكمال النهاية لا بما جرى في البداية، والأعمال بخواتيمها، والله تعالى خلَق الإنسان، وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، ثم علَّمه فنقله من حال النقص إلى حال الكمال، فلا يجوز أن يُعتَبر قدْر الإنسان بما وقع منه قبل حال"

(1) "وقفات تربوية مع مرحلة الدعوة المكية"؛ لطه بافضل، ص: (361 - 363) (بتصرف) .

(2) "تيسير الكريم الرحمن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت