امرأة (من المشركين) فقالت: ما أرى شيطانَك إلا تركك لم نَرَه قرُبك منذ ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل الله تعالى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} .
قال سيد قطب عن السورة:"لمسة من حنان، ونسمة من رحمة، وطائف من وُدٍّ، ويد حانية تَمسَح على الآلام والمواجع، وتَنْسَم بالروح والرضا والأمل، وتَسكُب البَرْدَ والطمأنينة واليقين" [1] .
1 - {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} ، (ما ودَّعك) : ترجَّحت قراءة الجمهور بالتشديد من"ودَّعك"من التوديع؛ لأن وَدَع بمعنى: ترَك، فيها شدة وشُبْة جفوة وقطيعة، وهذا لا يليق بمقام المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عند ربه، أما الموادعة والوداع، فقد يكون مع المودة والصِّلة، كما يكون بين المُحبِّين عند الافتراق، فهو وإن وادَعه بجسمه، فإنه لم يُوادِعه بحبه وعطفه [2] ، {وَمَا قَلَى} ، ٍحذَف كافَ الخطاب؛ لثبوتها فيما معها، فدلَّت عليها، هكذا قال المفسرون، وقال بعضهم: تُركِت لرأس الآية، والذي يظهر من لطيف الخطاب ورقيق الإيناس ومداخل اللُّطف، أن الموادعة تُشعِر بالوفاء والود، فأُبرِزت فيها كاف الخطاب، أي: لم تتأتَّ موادعتك وأنت الحبيب، والمصطفى المُقرَّب" [3] ."
أيها المؤمن، قد تَضيقُ عليك الدنيا، وربما يزدريك أهلُها، ويَحصُل لك من الشقاء والجفاء والعناء، ويَبرُز هذا المعنى في الذي نذَر نفسه لله داعيًا ولدينه مناصرًا، وعلى منهجه سائرًا، فهو يستشعر معيَّة الله معه، ونُصرته له، وخيريَّته فيما اختار الله له. وليعلم أن التمكين من لوازمه البلاء والضُّر، ولا يَسخَط ويتضرَّم ويشكو الله - عافانا الله - بل صَبْر وتفاؤل، {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} ، تنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - لتكون له بلسمًا، وللدعاة والماضين على طريقته عزاءً، ولا شك أن الخَلْق
(1) في ظلال القرآن.
(2) "أضواء البيان"؛ للشنقيطي.
(3) "أضواء البيان"؛ للشنقيطي.