لقد كنت عنده في مرضته، فعاده"أبو حنيفة"صاحب الرأي، وهو جبل علم شامخ، فطول القعود مما يحبه ويأنس به، إذ كانت الأرواح لا تعرف مع أحبابها زمنًا يطول أو يقصر. فلما أراد القيام قال له: ما كأني إلا ثقلت عليك. فقال الشيخ: إنك لثقيل علي وأنت في بيتك!
وضحك أبو حنيفة كأنه طفل يناغيه أبوه بكلمة ليس فيها معناها، أو أب داعبه طفله بكلمة فيها غير معناها )) .
قلت: ذكر تلك الطرفةَ العلامةُ ابنُ عبد ربه الأندلسي في"العِقد الفريد"، وابن الجوزي في"أخبار الظراف والمتماجنين". وما أجمل توجيه الرافعي (رحمه الله) لها.
قوله: (( قال الضرير: تلك رَوْحَة من هواء دنباوند، فإن أبا الشيخ كان من تلك الجبال، وقدم إلى الكوفة وأمه حامل؛ فولد هنا ) ).
وقال الرافعي في الحاشية عند قوله"دنباوند": (( ناحية من رستاق الري في الجبال الثلجية, وهي بلاد العجم ) ). ا. هـ.
أقول: انظر"معجم البلدان"لياقوت الحموي (2/ 436، 475) .
قوله: (( والعجيب أن النادرة البارعة التي لا تتفق إلا لأقوى الأرواح، يتفق مثلها لأضعف الأرواح؛ كأنها تسخر من الناس كما يسخرون بها.
فهذا"أبو حسن"معلم الكتاب، جاءه غلامان من صبيته قد تعلق أحدهما بالآخر؛ فقال: يا معلم، هذا عَضَّ أذني. فقال الآخر: ما