من تبحر في الفنون، وسعة في العلوم، قال رحمه الله:"وقد يزيد عليها بحسب تبحر الناظر وسعة علمه" [1] .
وقد تعرض الزركشي لبيان مظان آيات الأحكام، مبينا أول من ألف في ذلك فقال:"وكأنهم رأوا مقاتل بن سليمان أول من أفرد آيات الأحكام في تصنيف وجعلها خمسمائة آية" [2] ثم قال:"وإنما أراد الظاهرة لا الحصر، فإن دلالة الدليل تختلف باختلاف القرائح، فيختص بعضهم بدرك ضرورة فيها ولهذا عد من خصائص الشافعي التفطن لدلالة قوله تعالى: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} [3] على أن من ملك ولده عتق عليه وقوله تعالى: {امرأت فرعون} [4] على صحة أنكحة أهل الكتاب، وغير ذلك من الآيات التي لم تسق للأحكام" [5] .
وقد خالف الجمهور ابن دقيق العيد، ذاهبا إلى أن آيات الأحكام غير منحصرة في هذا العدد، بل ذلك مختلف باختلاف القرائح والأذهان وما يفتحه الله على عباده من وجوه الاستنباط ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات لا بطريق التضمن والالتزام [6]
وهذا الكلام قريب مما صرح به الإمام ابن العربي. وبه يتضح أن الخمسمائة آية هي أقل ما يمكن أن يكون المجتهد على علم به، لكنها ليست هي المنتهى من حيث استنباط الأحكام، وتنزيلها على نوازل الأنام.
واختلف العلماء في شرطية حفظ المجتهد للقرآن الكريم، وقد عرض المؤلف لهذا الخلاف قائلا:"وإذا كان عالما بأحكام القرآن فهل يشترط أن يكون حافظا لتلاوته؟"
وقد اكتفى المؤلف بما في قواطع الأدلة للسمعاني، وفيه:"ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه يلزم أن يكون حافظا للقرآن، لأن الحافظ أضبط لمعانيه من الناظر فيه، وقال آخرون: لا يلزمه حفظ تلاوته"
(1) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
(2) المصدر السابق.
(3) سورة مريم: الآية 92.
(4) [سورة التحريم: الآية 11] .
(5) المصدر نفسه.
(6) نقلا عن المؤلف في البحر المحيط 8/ 230.