بأحوال الرواة فإنه لربما استدل بحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة في الأحكام، والمجتهد هنا هو إزاء إثبات حكم شرعي، فلا يصح والحالة هذه أن يستدل بما لا يصح به احتجاج، يقول الإمام الزركشي موضحا هذا الشرط أيما إيضاح:"وثامنها - معرفة حال الرواة في القوة والضعف: وتمييز الصحيح عن الفاسد، والمقبول عن المردود" [1]
وهذا الشرط لم ينفرد المؤلف به بل ذكره أئمة الأصول من غير ما استثناء، وقد حكاه المؤلف عن أبي إسحاق والغزالي، يقول الغزالي:
"الثاني وهو يخص السنة: معرفة الرواية وتمييز الصحيح منها عن الفاسد والمقبول عن المردود، فإن ما لا ينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه. والتخفيف فيه أن كل حديث يفتي به مما قبلته الأمة فلا حاجة به إلى النظر في إسناده، وإن خالفه بعض العلماء، فينبغي أن يعرف رواته وعدالتهم فإن كانوا مشهورين عنده كما يرويه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثلا اعتمد عليه، فهؤلاء قد تواتر عند الناس عدالتهم وأحوالهم" [2] .
وقد بين الغزالي أن بعض الأحاديث لا يحتاج إلى بحث في إسناده، وهو الحديث الذي قبلته الأمة، إذ قبولها له دليل على صحته، إذ لا تتفق الأمة على ضلالة كما ورد به الحديث [3] ، وهذا ما لم يخالفه أحد من العلماء وإلا تعين عليه البحث في رواة ذلك الحديث، إذ ليس في هذه الحالة إجماع.
وقد نحا المؤلف ما نحاه الغزالي في كل ما ذهب إليه، إذ بين أن المجتهد يقلد في معرفة أحوال الرواة وما يلتحق بذلك جهابذة علماء الحديث فما حكموا عليه بالصحة مثلا اقتفى أثرهم في ذلك.
قال ابن دقيق العيد:"وهذا مضطر إليه في الأحكام المبنية على الأحاديث التي هي في باب الآحاد، فإنه الطريق الموصل إلى معرفة الصحيح من السقيم" [4]
(1) المصدر السابق 8/ 235.
(2) المستصفى للإمام الغزالي 1/ 344.
(3) الحدديث هو قوله عليه الصلاة والسلام: لاتجتمع أمتي على ضلالة. وهو حديث تعددت طرقه فحكم العلماء عليه بالحسن، باعتبار طرقه. قال العجلوني في كشف الخفاء:"وبالجملة فالحديث مشهور المتن، وله أسانيد كثيرة، وشواهد عديدة في المرفوع وغيره"2/ 430.
(4) نقلا عن المؤلف في البحر المحيط.