الصفحة 9 من 33

مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ (43) ، جاء في بحر العلوم: (( {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} ، يعني يقال له: هذا الذي كنت تخاف منه وتكره ) ) (44) ، ويقال: ذلك اليوم الذي كنت تفر منه (45) ، يقول الفراء: (( ولو قيل في مثله من الكلام في موضع(ذلك) : (هذا) أو في موضع (هذا) : (ذلك) لكان صوابا )) (46) .

وتحليل هذه المسالة كالآتي: هو أن معنى (ها) للتنبيه فإذا قرب الشيء أشير إليه، فقيل: هذا، أي: تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه، فانه حاضر معك بحيث تراه، وإذا دخلت (الكاف) على (ذا) وهي للمخاطب، و (اللام) لتأكيد معنى الإشارة، فقيل: (ذلك) فكان المتكلم بالغ في التنبيه لتأكيد المشار إليه، فهذا يدل على أن لفظة (ذلك) لا تفيد البعد في أصل الوضع، وإذا ثبت هذا فنتيجة ذلك هي إنما حملت ها هنا على مقتضى الوضع اللغوي، لا على مقتضى الوضع العرفي، وحينئذ لا يفيد البعد، ولأجل هذه المعادلة قام كل واحد من اللفظين مقام الآخر (47) .

إن ما سيق من كلام يوصلنا إلى شيء وهو أن (هذا) تصلح أن تأتي مكان (ذلك) و (ذلك) مكان ... (هذا) ، وإذا سلمنا بهذه النتيجة فنقول: إذا استعملت (ذلك) مقام (هذا) فربما أريد من ذلك التعظيم ورفعة المنزلة، فقد يشار إلى القريب بلفظ في أصل وضعه للبعيد و قد يراد من ذلك التعظيم، كقوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} (48) ، إذ جيء باسم الإشارة (ذلك) إشارة إلى ما يشاهدونه من العذاب، وإنما جيء بإشارة البعيد لتعظيم ما يشاهدونه من الأهوال.

إذن سبب النيابة هو إذا جاء وأريد به التعظيم أو التحقير (49) ، جاء في اللباب في علوم الكتاب: ... (( وإنما جيء هنا بإشارة البعيد تعظيمًا للمُشَار إليه ) ) (50) .

وجاء في البحر المديد في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} (51) ، أي: بعد ما ذكر من الأمور العجيبة، حسبما ينبئ عنه ما في اسم الإشارة من البُعد، المشعر بعُلُوِّ مرتبة المشار إليه وبُعد منزلته في الفضل (52) .

وفيه أيضا {هَلْ في ذلك} ، أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء {قَسَمٌ} ، أي: مٌقسم به، والمعنى: مَن كان ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يُقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسَم بها، وكونها أمورًا جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البُعد للإيذان ببُعد مرتبة المشار إليه، وبُعد منزلته في الشرف والفضل (53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت