المبحث الأول
(ذلك) للبعيد تأتي بمعنى (هذا) للقريب
كما بينا .. فإن (ذلك) يكون للبعيد و (هذا) للقريب، وإنما زيدت (ها) لما هو للقريب؛ للتنبيه، وهذا منتفٍ مع (ذلك) ؛ لأنها للبعيد فلا يكون مع البعد تنبيه، أي: إن التنبيه للقريب، هذا هو الأصل، (ذلك) للبعيد و (هذا) للقريب، ولكن عندما نقرأ عند أهل اللغة نجد غير ذلك، فقد تأتي (ذلك) بدلا من (هذا) ، وإذا وردت فيراد بها (هذا) ، وهو كثير وخاصة في الاستعمال القرآني، فأحببت أن نقف على هذه المسألة لما فيها من براعة في الصياغة والبلاغة، ونحاول أن نعرف المعاني المترتبة على هذا الأسلوب.
جاء في الهمع للسيوطي: (( قد ينوب ذو البعد عن ذي القرب وذو القرب عن ذي البعد، إمّا لرفعة الُمشار إليه والمشير، نحو قوله تعالى: {ذلك الكتاب} (13) ، وقوله عز وجل: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (14) ، وقوله عز من قائل: {قالت فذلك الذى لمتننى فيه} (15) ، أو في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (16) ، أو ضعتهما نحو: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ} (17) {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} (18) أو نحو ذلك )) (19) .
يقول السيوطي: وقولي يتعاقبون هو مذهب الجرجاني وابن مالك وطائفة أن (ذلك) قد يشار بها للقريب بمعنى (هذا) ، و (هذا) قد يشار بها للبعيد بمعنى (ذلك) ، قال تعالى {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} (20) ثم قال {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} (21) ، وهنا قد تعاقب المعنى (22) .