ولا شك أن (ذلك) في الآية الكريمة: {ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ} وغيرها من الآيات الكريمات إنما أريد منه بيان العظمة لهذا القران الكريم فأشير بـ (ذلك) بدلا من (هذا) ، وغيرها من الآيات لبيان عظمة الموقف. وإذا رجعنا إلى السياق العام للآيات الكريمات نجد أن الكلام مسوق إلى التعظيم وكما بيناه في الأمثلة السابقة، فما أشير فيه بـ (ذلك) بدلا من (هذا) ، والقاعدة تقتضي (هذا) بدلا من (ذلك) فالموقف فيه لبيان شأن عظيم، وهذه من بلاغة القران الكريم ومن خصائص الاستعمال القرآني.
وهذه الظاهرة نجدها في الشعر العربي وهي الإشارة بـ (ذلك) وهو قريب لبيان عظم المشار إليه ومن ذلك قول الشاعر:
أقولُ لهُ والرُّمْحُ يَأطِرُ مَتْنَهُ ... تَأَمَّلْ خُفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكَا (54)
والمعنى: إنني أنا هذا (55) .
وهذه المسالة ليست على إطلاقها فهناك ما لا يجوز فيه (هذا) في موضع (ذلك) ، ولا (ذلك) في موضع (هذا) ، فعندما يذكر شيء موجود ويرى قريبا وتوجد قرينة نستطيع أن نؤول بالبعيد، إن كانت قرينة لفظية أو معنوية. جاء في معاني القران للفراء: (( وأما ما لا يجوز فيه(هذا) في موضع (ذلك) ولا ... (ذلك) في موضع (هذا) ، فلو رأيت رجلين تذكر احدهما لقلت للذي تعرف: من هذا الذي معك؟ ولا يجوز ها هنا: من ذلك؟ لأنك تراه بعينك )) (56) .
ومثل هذا لا يجوز أيضا أن تخبر عن شخص لا يُرَى بعينه بـ (هذا) بدلا من (ذلك) ، فلو سبق لك أن رأيت رجلين وأردت أن تسال عن احدهما لم تعرفه فتقول: من ذلك الذي رايته أمس ولا يجوز أن تقول: ما هذا الذي رايته أمس؛ لأنك تخبر عن شخص بعينه ولو كان الكلام عن خبر معين لصح والله اعلم.
وخلاصة القول في هذه المسالة: إن استعمال القران لاسم الإشارة يتحدد في بيانِ حالهِ في القربِ، قالَ تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (57) . حيث استعمل الذي هو للقريب حيث تقول الملائكة لهم ذلك. وأيضا لبيانُ حالهِ في البعدِ، قالَ تعالى: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} (58) . وكثيرًا ما يُشَارُ إلى القريبِ غير الْمُشَاهَدِ بإشارةِ البعيدِ، تنزيلًا للبُعدِ عن العيانِ، منزلةَ البعدِ عن المكانِ، نحو: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطع عَلَيْهِ صَبْرًا} (59) .