وكذلك يعبر بما هو للقريب تعظيما بالقربِ وهو عكس ما أسلفنا، قالَ تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (60) . وكما يأتي اسم الإشارة لبيان التعظيمُ بالبُعدِ، كقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (61) ، يأتي على عكس ذلك لبيان التحقيرُ بالبُعدِ، قالَ تعالى: {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ ... الْيَتِيمَ} (62) .
ومع الله تعالى استخدم اسم الإشارة الدال على البعد مع ضمير الجمع تعظيما، وذلك كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى ... تُؤْفَكُونَ} (63) ،وقوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (64) ،قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} (65) ،قوله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} (66) ،قوله تعالى: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (67) ،قوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} (68) ،قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (69) ،قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (70) ،قوله تعالى: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (71) ،قوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (72) .
و {ذلكم الله ربكم} إشارة إليه تعالى باعتبار أفعاله المذكورة على وجه يدل على بعد منزلته العظيمة والكبرياء واسم الإشارة مبتدأ والاسم الجليل خبره و ربكم خبر بعد خبر ... ذلكم العظيم الشأن الذي عددت أفعاله، الله مربيكم فيما ذكر من الأطوار وفيما بعدها، ومالككم المستحق لتخصيص العبادة به سبحانه له الملك على الإطلاق في الدنيا والآخرة ليس لغيره تعالى (73) .
ومن خصائص هذا الاسم أنه قد يشار به إلى محسوس وذلك كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا ريبَ فيه} (74) ، وهنا الإشارة إلى الكتاب العظيم، وقوله تعالى: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ} (75) ، أي ذلك المذكور وهو القرآن الكريم هدى الله إذ هو الذي أنزله وجعله هاديًا يهدي به من يشاء هدايته بمعنى يوفقه للإيمان والعمل به وترك الشرك والمعاصي بدليل أول الآية: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} (76) .
وقد ورد (ذلك) في القران الكريم ويشار به إلى غير محسوس كما في قوله تعالى: {ذلك يوم التغابن} (77) ، وقوله تعالى: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} (78) ، وقوله تعالى: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} (79) .
ولهذا اليوم الشديد ولأهميته كان التعبير بـ (ذلك) بدلا من (هذا) للاهتمام والتنبيه، جاء في تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} (80) ، أي: هذا هو اليوم الذي كانوا يوعدون بالعذاب فيه وهو يوم القيامة الذي أنكروه وكذبوا به (81) .
أما ما يتعلق بأسماء الله وصفاته وذلك في قوله تعالى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (82) ، وأمثالها كثير .. وهنا قد استعمل اسم الإشارة (ذلك) في الإشارة إلى حاضر، وان كان موضوعا للإشارة إلى غائب (83) ، وفي هذا تنبيه باسم الإشارة الذي هو مفيد للحضور وهو زيادة في التأكيد على وجود خالق وهو من خلال الآثار الحسية حيث أشير إلى الخالق الموجد لها وهو الله سبحانه وتعالى وهو المفهوم من السياق العام للآية، فتمام السياق: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ، ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} (84) .
والتعبير باسم الإشارة (ذلك) إلى صفات الله تعالى إنما هو ليضعها في المنظور الحسي، ولكي تحث وعي الإنسان فيستشرفها (85) .
وهناك آيات كثيرة في القران الكريم ورد فيها اسم الإشارة (ذلك) وهذه الآيات تنقل عظيمين، نعيم الجنة وعذاب النار، وورد اسم الإشارة في هذه المواضع ويكون فيه حكمة وهي التعبير بـ (ذلك) الدال على البعد للتعظيم وان كان الموقف يقتضي المشاهدة وهذا يوم القيامة يوم مشاهدة هذه المناظر، والأمر الآخر هو إنزال غير المشاهد منزلة المشاهد المحسوس وتقريب الصورة، وهذا في الحياة الدنيا، والحكمة واضحة لتجتنب النار لهولها والعمل للجنة العظيمة بنعيمها، وهذا يتحقق بقوله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} (86) .