قلت فيه (ذلك) ، كما يقال: أنفقت ثلاثة وثلاثة، فذلك ستة وان شئت قلت هذا ستة، وهو كقوله عز وجل في قصة فرعون: {فَحَشَرَ فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى} ثم قال بعد ذلك: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} (32) ، ومعنى ذلك: هذه الأحداث التي ذكرت، فقد جاء (ذلك) لبيان الإشارة إلى حدث قد مضى، وعلى عكس ذلك نجد قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} ثم قال: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} (33) ، وهذا أسلوب القرآن ليس في (ذلك) فحسب بل نرى اسم الإشارة (تلك) أيضا وهو للمؤنث، وذلك في قوله تعالى: (( المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ(34) فقال: (تلك) (( فجائز أن المعنى: تلك علامات الكتاب، أي: القران متكلم به بحروف العرب التي تعقلها على ما وصفنا في حروف الهجاء ) ) (35) .
وهناك رأي آخر وهو أن (هذا) و (ذلك) ، يصلحان في كل كلام إذا ذكر ثم اتبعته بأحدهما بالإخبار، ألا ترى انك تقول: قدم فلان؛ فيقول السامع: قد بلغنا ذلك. وقد بلغنا ذلك الخبر، أو يقال فيه قد بلغنا هذا، فصلحت فيه (هذا) ؛ لأنه قد قرب من جوابه فصار كالحاضر الذي تشير إليه، وصلحت فيه (ذلك) لانقضائه، والمنقضي كالغائب. ولو كان شيئا قائما يرى لم يجز مكان (ذلك) (هذا) ولا مكان (هذا) (ذلك) (36) حيث (( يجوز أن ينوب اسم الإشارة الدال على القرب عن الدال على البعد وبالعكس فتنوب(هذا) عن (ذلك) و (ذلك) عن (هذا ) )) (37) ، وذلك إذا أريد به التعظيم أو التحقير (38) . ولا شك انه في القران قد أريد من هذا الأسلوب التعظيم وشواهد ذلك كثيرة، وهذا ما أردنا أن نصل إليه.
وهناك أمثلة كثيرة في القران الكريم تساند هذا الرأي، قال الله عز وجل: {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ} إلى أن قال: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} (39) ، وقال عز وجل في موضع آخر: (( وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ثم قال بعد ذلك: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ} (40) ، وقال عز وجل: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} ثم قال: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} (41) .
نلاحظ في هذه الآيات قد أشير لما سبق بـ (هذا) ، ونلاحظ في سياق آخر قد جاء اسم الإشارة (ذلك) بدلا من (هذا) وذلك في قوله تعالى: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى} (42) ، وقوله تعالى: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} ، ثم قال: ذَلِكَ