طريقة التأديب
وينبغي أن يؤدِّب المتعلِّم على التدريج بالآداب السَّنِية، والشِّيَم المرضية، ورياضته نفسه بالدقائق الخفية، ويُعوِّده الصيانةَ في جميع أموره الباطنة والجلية، ويُحرِّضه بأقواله وأفعاله المتكرِّرات على الإخلاص والصِّدق، وحُسْن النيَّات، ومراقبة الله -تعالى- في جميع اللحظات، ويعرِّفه أن لذلك تتفتح عليه أنوارُ المعارف، وينشرح صدره، ويتفجَّر من قلبه ينابيعُ الحِكم واللطائف، ويبارك له في عمله وحاله، ويُوفَّق في أفعاله وأقواله.
ويُستحب للمعلِّم أن يكون حريصًا على تعليمهم، مؤثرًا ذلك على مصالح نفسِه الدنيويَّة التي ليستْ بضرورية، وأن يفرِّغ قلبَه في حال جلوسه لإقرائهم من الأسباب الشاغلة كلها، وهي كثيرة معروفة، وأن يكون حريصًا على تفهيمهم، وأن يعطيَ كلَّ إنسان منهم ما يليق به، فلا يُكثِر على مَن لا يحتمَّل الإكثار، ولا يُقصر لِمَن يحتمل الزيادة، ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم، ويُثني على مَن ظهرت نجابتُه ما لم يخشَ عليه فِتنة بإعجاب أو غيره، ومَن قصَّر عنَّفه تعنيفًا لطيفًا فيما لم يخشَ عليه تنفيره، ولا يحسد أحدًا منه لبراعةٍ تظهر منه، ولا يستكثر فيه ما أنعم الله به عليه، فإنَّ الحسد للأجانب حرامٌ شديدُ التحريم، فكيف للمتعلِّم الذي هو بمنزلة الولد، ويعود من فضيلته إلى معلِّمه في الآخرة الثواب الجزيل، وفي الدنيا الثناءُ الجميل؟! والله الموفِّق.
ويقدِّم في تعليمهم إذا ازدحموا الأولَ فالأول، فإن رضي الأولُ بتقديم غيرِه قدَّمه، وينبغي أن يُظهِر لهم البشر وطلاقةَ الوجه، ويتفقد أحوالهم، ويسأل عمَّن غاب منهم.
ولا يمتنع من تعليم أحد لكونِه غيرَ صحيح النية، فقد قال سفيان وغيره: طلبُهم للعلم نيَّة، وقالوا: طلبْنا العلم لغير الله، فأبَى أن يكون إلاَّ لله، معناه كانت غايته أن صار لله تعالى.
ومن آدابه المتأكدة وما يعتني به: أن يصون يديه في حال الإقراء عن العَبَث، وعينيه عن تفريق نظرهما من غير حاجة، ويقعدَ على طهارة، مستقبلَ القبلة، ويجلس بوقار، وتكون ثيابُه بيضاءَ نظيفة، وإذا وَصَل إلى موْضع جلوسه صلَّى ركعتين قبل الجلوس، سواء كان الموضع مسجدًا أو غيره، فإن كان مسجدًا كان آكدَ فيه، فإنه يكره الجلوس فيه قبل أن يُصلِّي ركعتين، ويجلس متربِّعًا - إن شاء - أو غير متربِّع، فقد كان ابن مسعود - رضي الله عنه - يُقرئ الناس في المسجد جاثيًا على ركبتيه.