إن هذا الإشراك بين الاختصاص الأصيل وبين متطلعات الحياة الجديدة التي كانت كل ناحية منها في حاجة إلى جهود أبنائها لم يكن إشراك كفر قدر ما كان إشراك إيمان .. كان تعبيرًا عن هذا التلازم الأبدي بين الإحياء العربي من حيث هو إحياء للإنسان وبين الإحياء الثقافي من حيث هو إحياء للجماعة وفكرها وشخصيتها، وشق لدروبها .. كان تجسيدًا لهذه الصلة التي لا تنفصم بين اللغة والأدب بمعناه الواسع وبين سير الحياة بالجماعة العربية المتطلعة .. كان العمل السياسي يتسربل بالأدب، وكان الأدب مصطبغًا بالسياسة، وكانت الثقافة إسهامًا في الإحياء، وكانت اللغة مصدر دعم الشخصية .. كان هنالك هذا التكامل والتداخل الذي لم يسمح بالفصل والتخصيص لسببين: أولهما طبيعة الحركة من حيث هي تكامل، والآخر قلة هؤلاء المثقفين الذين يستطيعون إدراك طبيعة المرحلة الجديدة والقيام بأعبائها.
فلننظر كيف كان الوجه الأدبي لحياة التنوخي رحمه الله.
لقد رأينا بذرته الأولى في الثقافة العامة التي وصلت إليه أو وصل إليها في كتاتيب دمشق ومساجدها .. ثم رأينا ساقًا من سوقه يتشقق بعد اتصاله بالأزهر ودراسته فيه، فيكون منه هذا الإنسان الذي يتصدى للتدريس والوعظ.
ولكننا لانكاد نمضي مع حياة التنوخي حتى نجد شيئًا من تطعيم لهذه الشجرة التي توشك أن تتفتح وأن تكون لها ظلال وأغصان .. هذا التطعيم كان في هذه الدراسة الجامعية التي دفع إليها أو اندفع فيها حين درس الزراعة في (غرينوبل) .. فلما عاد كان هذا الإنسان الذي يتمازج في أعماقه القديم والجديد، وتتجاوز أو تتفاعل في حياته الثقافة المحدثة والتراث القديم، ويلتقي عليه هذان الأفقان: أفق يضع يده عليه وأفق يستشرفه ويتطلع إليه.
ومع الدولة العربية الأولى، دولة فيصل - 8 آذار [1918 م] ، تبدأ مرحلة أدبية جديدة في حياة التنوخي .. مرحلة هدفها أن تجعل من اللغة العربية نسغ الحياة وماءها، فإذا هو يعمل في لجنة من هذه اللجان التي آلت أن تكون بعد مجمعًا علميًا، وإذا هو - بهذه المعنى - واحد من الأعمدة التي قام عليها هذا المجمع العتيد.
في الإنتاج الأدبي للتنوخي في هذه المرحلة نستطيع أن نعود إلى التفرقة بين الأدب بمعناه العام وبين الأدب بمعناه الخاص .. في الأدب العام - الذي كان الأخذ من كل ناحية بطرف- لم يكن أحد أقدر على تجسيد هذا المعنى في هذه الفترة الزمنية من الأستاذ التنوخي رحمه الله .. فقد استطاع أن يتمثل هذا المزيج الغريب - أو الذي يبدو لنا الآن غريبًا - من دراسة الزراعة وترجمة كتب الفيزياء، وتأليف