الصفحة 16 من 17

القسم الثالث: عز الدين التنوخي

يشكو الحضارة! [1]

قال الأستاذ محب الدين الخطيب ما كاد يدوي في عاصمة الدولة العباسية (بغداد) صدى القذائف التي صبها رجال التمدن الحديث من الفرنسويين على رؤوس الرجال والنساء والشيوخ والأطفال من سكان عاصمة الدولة الأموية (دمشق) حتى هبّ البغداديون واجمين مذعورين غاضبين، واجتمعت الألوف من جميع طبقاتهم في مسجد الحيدرخانة بعد صلاة الجمعة، فخطب فيهم الواعظ الشهير الشيخ نعمان الأعظمي واصفًا تلك الأعمال الفظيعة، فأبكى الناس جميعًا. وقد تلا أبياتًا من القصيدة النونية الأندلسية كان لها وقع بليغ. وممن تكلم في ذلك الموقف صديقنا العالم الفاضل صاحب هذه القصيدة [الأستاذ عز الدين التنوخي] ، فخطب بلآلئ الدموع ودرر البيان معًا، نثرًا ثم نظمًا، واختص [مجلة] الزهراء بالقصيدة التي أنشدها يومئذ، وهذه هي:

قفْ في المنازل نادبًا اطلالَها ... ماذا يفيدك أن تطيل سؤالَها

قد أُُحرقت عمدًا دمشق فلم تعد ... تصف الجميلة للورى وجمالها

لا وصلُها ذاك الوصال، وأهلها ... في الغوطتين، ولا الدلال دلالها

النار تمطرها العشية وابلًا ... والعلج، ويل العلج، جاس خلالها

لبثتْ ثلاثًا والمدافع قُذَّف ... الرعد يقصف ما حكى جلجالها

والطير ترمي بالشعائل حُوَّمًا ... فتزيد فوق خرابها إشعالها

ثُلثا دمشق يهدَّمان تمدنًا ... ومن الدماء ترى به أسيالها

إن الدخان إلى السما متصاعدًا ... يشكو الحضارة والوحوشَ رجالها

يا رُبَّ آمنةٍ هناك بسِرْبها ... تغدو لتصلح دارها وعيالها

أمست وما غير السماء لحافها ... ظلمًا، ولا غير الطريق حمى لها

(1) مجلة الزهراء، المجلد الثاني، سنة 1344 هـ/ 1925 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت