ساعات ونصعد الجبل حولها من هنا وهناك ساعات .. وبين أيدينا دواوين وكتب بعضها محدَث وبعضها قديم .. وكان التنوخي، بما وهبه الله من قوة الحافظة وسعة الرواية، يغني عن الكتاب فإذا آثر الراحة من الحديث - وقلما يفعل - لجأ يستمع .. فكان يطلب إليّ أن أقرأ وكان يقيم أودي ويصون لساني .. فتركتْ جلساته هذه في نفسي أثرًا لا يمحي .. حتى إذااستدارت أيام، وانطوت سنون، وشرقت وغربت، واغتربت وعدت، كان من وفاء المرحوم التنوخي وملاطفته أن يحدثني عن هذه الجلسات الممتعة وأن يشيد بصاحبها - يرحمه الله أوسع رحمة - يذكره بالخير ويثني عليه أطيب الثناء.
لقد كانت حياة التنوخي الأدبية حياة حافلة وإنها من الحفل بحيث لا يتسع لها مقال واحد. ولعلي لم أفعل هنا شيئًا أكثر من أني وضعت يدي على بعض معالم هذه الحالة .. ولعل البيئات الثقافية المتعددة في أرجاء الوطن العربي تتضافر على عمل مشترك منظم لإنصاف التنوخي وأمثاله من هذا الجيل الذي واكبه وسبقه، من صانعي أفكارنا ومهذبي عقولنا ومُنشئي نفوسنا فتكل أمر جمع آثارهم كلها - على أنها وجه من وجوه التطور - إلى بعض الباحثين حتى لا يكون كل ما نفعله أمام تاريخنا ورجالنا أن نذكرهم ساعات بعد الموت، ثم نتعاون مع الموت عليهم.
لقد كانت حياة التنوخي عملًا متصلًا، وضربًا دائبًا في آفاق من الدراسة والتدريس والتأليف والتحقيق والترجمة والتعريب، والتربية والإدارة والعمل الحكومي والعمل الحر أفليس من حق هذه السيرة وأمثالها على الوطن أن تكون في متناول أبنائه يجدون فيها نماذج الأصالة والعصامية والدؤوب والغيرة على لغة الكتاب الكريم: اللغة التي هي أنقى وأبقى ما تركت لنا الأيام بعد كل هذا التيه الطويل.
وددت لو كان ذلك، وإنه لكائن إن شاء الله.