كانت تمارسه السلطات العثمانية [من الاتحاديين] من ميز أو إرهاق أو إحراج.
وكان هذا الشاب أحد الذين عانوا هذه التجربة .. مر بها واكتوى بلذعها، وامتد أفقه السياسي وراء الاستكانة للواقع، محاولًا أن يتخطاه إلى وجود جديد تتضح معالمه عنده كما لا تتضح عند الكثرة التي أحست به آنذاك، ولا تستطيع أن تميز فيه معنى النقد من معنى الثورة، ولامعنى الإصلاح من معنى الخروج، ولا معنى الانشقاق عن الترك ولامعنى البقاء معهم .. لأنه مزيج مختلط من كل ذلك .. لكل إنسان فيه نصيب على قدر ما يكون من اضطرام هذه العوامل في نفسه.
وكذلك استقام عود هذا الشاب إنسانًا، صفته التي يمكن أن تطلق عليه وأن تكون مجمع صفاته الأخرى أنه مثقف قدر ما كانت تتيح الحياة آنذاك من ثقافة .. يعرف الدنيا من حوله ويعرف نفسه .. يلمح الآفاق الجديدة ويتطلع إليها .. يعرف أصالة ثقافته ويستطيع أن يدافع عنها ويحبها عن وعي لها. ويرجو أن يكون لها في نفوس الناس مثل الذي لها في نفسه من أثر يدفع إلى ألوان من السلوك! تتراوح بين أن يتعود المرء فتح عينيه حتى يرى بهما ما يجب أن يرى وبين أن يهز سلاحه بيده يضرب به ما يجب حتى يبتر .. ألوان من السلوك بين النقد وبين الثورة، بين قولة (لا) في همس لا يسمعه أحد أو لا يكاد، وبين قولة (لا) بملء الفم ولو قادت إلى حبل المشنقة.
من كل هذه العناصر المتداخلة المتكاملة تكون هذا المزاج الذي عرف بعد باسم (أبي قيس) وعرفه الناس باسم عز الدين علم الدين، أو عز الدين التنوخي، وعرفه قلة باسم العز التنوخي أو العز اللخمي .. وقرأوا له، وقرأوا عليه، وانتفعوا بعلمه.
من المؤكد أن الاتجاه إلى الأدب بالمعنى العام لهذه اللفظة، أو إن شئنا في تعبير آخر، الاتجاه إلى الثقافة - بآفاق الثقافة التي كانت آنذاك - كان هو الطريق التي استأثرت باختيارات أكثر الناس (الناس - القادة) في تلك الفترة من حياتنا في هذا الجزء من الوطن العربي.
كان هنالك أحد طريقين في سبيل النهضة: الخروج على السلطان العثماني [في عصر الاتحاد والترقي] بغية إطلاق القوى النفسية والفكرية للجماعة العربية، وتحطيم القيود التي كانت تكبلها .. ذاك أحد الطريقين .. والطريق الآخر: حركة إحياء عربية تتناول التراث العربي: لغته وأدبه وعلمه ومظاهره الحضارية الأخرى، كما تتناول الخصائص العربية كلها تعريفًا بها، ونشرًا لها، وتمكينًا لها في نفوس الجماعة، وإعادة بناء النفس العربية السليمة الصافية من خلال جهد ثقافي ونفسي وتعليمي طويل.