الصفحة 8 من 17

في الطريق الأول كانت هنالك مخاطر ومخاوف هي هذه المخاطر التي تتصل بالسياسة والسلطان والحكم والتي تتجسد ببطش الجيش التركي القائم.

وفي الطريق الأخرى كانت هنالك هذه البقيا على التراث المشترك بين العرب والعثمانيين، وكان هنالك تأكيد على الروابط التي لا يستطيع الأتراك الحقيقيون أن يتنكروا لها ولا يستطيع العرب العروبيون أن يتخففوا منها.

ومن هنا انشعبت الحركات في الوطن العربي في هاتين الوجهتين: وجهة الثورة، أو وجهة الإصلاح في بعض معاني الكلمة .. ووجهة إحياء الحياة العربية حتى تكون قوة في وجه الاستعلاء التركي.

ولكن هاتين الوجهتين لم تمضيا متعارضتين وإنما مضتا متكاملتين: الذين عملوا على الثورة أفادوا من عمل الإحياء العربي، والذين عملوا على الإحياء - أو بعضهم - انتهوا بعد ذلك في ظروف سياسية لا ندري مدى وضوحها إلى الخروج والثورة .. ثم كان ما كان.

ويبدو أن التنوخي كان من الذين أخذوا بهذين الاتجاهين .. كان في الجمعية القحطانية، ومارس النشاط السياسي خلال الحرب، وقاده ذلك إلى أن يلتجئ إلى العراق ثم إلى الحجاز .. وكان بعد ذلك يتجه إلى الثقافة والإحياء .. ومن هنا كانت صورته صورة هذا الشاب الذي دخل المسجد بشيء من ألبسة حديثة يعظ الناس ويعلمهم .. ومن هنا أخذت الصورة بعد ذلك أبعادها المختلفة فإذا هو يخرج إلى الحجاز وإذا هو يعود إلى الشام وإذا هو في ملك فيصل في 8 آذار لبنة من اللبنات.

ومن هنا كذلك كان التنوخي أحد ثلاثة وقع عليهم اختيار لجنة أهلية للبعثات .. ذلك أن الإحساس بالأثر الثقافي كان فيما يبدو إحساسًا عامًا. دفع جماعة من المتنورين - إن صح هذا الوصف - إلى أن يفكروا في أمر البعثات الدراسية ما دامت السلطات لا تفكر فيها أو لا تحسن القيام عليها .. ولذلك اختارت لجنة أهلية - كما كانوا يصفونها - ثلاثة من النابهين ليدرسوا في أوربا: المرحوم الدكتور عبد الغني الشهبندر الذي عاد فأقام في بيروت. والمرحوم الأستاذ عز الدين علم الدين الذي عاد إلى دمشق، والمرحوم الأستاذ الجليل الأمير مصطفى الشهابي الرئيس السابق لمجمع اللغة العربية بدمشق.

ومن عجب، أو كذلك يبدو، أن يدرس الشهابي والتنوخي الزراعة في فرنسا في (غرينوبل) ، ثم يعودان لا للزراعة وحدها، ولكنهما يعودان لكل هذه المشاركة الشاملة أو كالشاملة في أكثر نواحي الفكر العربي .. فيسهم الشهابي في الحركة الوطنية والحركة الفكرية والحركة اللغوية والعلمية إلى جانب إسهامه في الحركة الإدارية كواحد من كبار الموظفين .. ويسهم التنوخي في نحو من ذلك في الحركة اللغوية وفي الأدبية وفي ألوان من النشاط التربوي والتعليمي والثقافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت