القسم الثاني
في الأدب الحديث: عز الدين التنوخي
خطوط رئيسية في تاريخ حياته ودراسة أدبه [1]
للدكتور شكري فيصل
كان ذلك قبل الحرب العالمية الأولى حين أخذت كثرة من الناس في أسواق دمشق وأحيائها تتهامس فيما بينها، تتحدث عن شاب ممتلئ الجسم، تام التقاطيع، عريض الجبهة، إلى القصر أقرب ... عاد من القاهرة - بلد الأزهر الشريف - بعد غيبة عن وطنه، يدخل المسجد الجامع في شيء من اندفاع، ويرتدي بعض الملابس الحديثة، ويتصدر وراء (رحلاية) إلى جانب هذه السارية من سواري المسجد قرب باب الكلاسة، أو إلى جانب هذا الباب أو ذاك من أبواب المسجد ومحاريبه .. يتحدث إلى الناس، يعظهم .. ليس له من سمات الواعظين ضخامة جثة ولا إسبال ثوب ... ليس في شَعره كثير من بياض أو قليل، وليس على رأسه عمامة ضخمة ولا على أكتافه عباءة ضافية ولا تلبسه جبة عريضة سوداء ... ولا يمشي الهوينا، ولا يتكلف السعيَ ولا الحديث، وإنما ينطلق فيهما انطلاقًا ... فيحدِّث الناس حديث الدّين والأخلاق ومحاربة البدع، في كثير من الوضوح والصراحة، وفي شيء غير قليل من الانطلاق والتدفق.
وما لبث همس الناس هذا أن آل إلى نبأ يتناقلونه، وجديد يخوضون فيه، وعلامة من العلامات يقفون عندها ... يقف أكثرهم عندها معجبًا بها، راضيًا عنها، متمنيًا لهذا الميدان من ميادين الوعظ والإقراء والتدريس أن يداخله جيل جديد من هذه الأجيال الناشئة، تلتقي بالأجيال القديمة وتتجاذب معها الفكر والرأي، حتى يكون للناس من أمور دينهم ودنياهم موقف واضح معروف لا ينبهم عليهم فيه أمر، ولا يلتبس عليهم فيه موضوع ... وحتى لا ينقطع ما بين قديم الناس وحديثهم، ولا يتفكك ما بين حاضرهم وماضيهم، وحتى لا يقع هذا الانشطار المخيف العنيف الذي يهدد الوجود، وجود الأفراد، كما يهدد وجود الجماعات سواء بسواء؛ بالفناء أو بالإفناء.
(1) مجلة معهد البحوث والدراسات العربية، العدد الأول، ذو الحجة 1388 هـ/ آذار 1969 م، ص 179 - 182. هذا البحث محاضرة ألقاها الدكتور على طلبة معهد الدراسات العليا في القاهرة.