الصفحة 6 من 17

وهكذا مضى هذا الشاب الذي عَرف الأزهر وتتلمذ على شيوخه، وشهد حلقاته، واستمع إلى أساطينه وأكل بلاط المسجد من أقدامه وهو يمشي هنا أو هناك، في هذا الرواق أو ذاك، يدوي بالقرآن الكريم مع هذه الكوكبات التي كانت تدوي به: تقرؤه أو تحفظه ... أو يردد بعض هذه المتون، أو يجلس إلى حلقة من حلقات هؤلاء الشيوخ الأجلة الذين كانوا يستنون للحياة الإسلامية طرقها، ويفتحون السبل أمامها، ويكشفون الغبار المتراكم عن تراثها ويشهدون من عزماتها، ويبصرونها بمواطن الأصالة فيها.

وكان هذا الشاب الذي نشأته بعض أحياء دمشق، قد عرج في طريق هجرته على فلسطين .. ولعلها كانت هجرة حائرة بين الثقافة والتجارة ... مرَّ بيافا فأقام فيها - وهل أحلى من الإقامة في يافا؟ هل أحلى من رملتها الناعمة وبساتينها العبقة وبحرها الأزرق! ودرّس الفرنسية في بعض مدارسها ... فاجتمع له في كل ذلك: من المدينة الأصيلة التي نشأ فيها، ومن الهجرة المتفتحة التي عاناها، ومن الأزهر المنير الشريف الذي صقله فأحسن صقاله - هذا التكوين الجديد الذي يتميز أشد تميز أنه تكوين حي متطلع ... والتقى في نفسه هذا المزاج المحدث وهو مزاج أبرز ما فيه أنه مزاج أصيل دؤوب، متفتح ... يريد أن يملأ يديه مما حوله ويريد أن يشق بيديه - بكلتا يديه - طريق الجماعة الجديدة، وأن يكون له فيها شأن، لا أن يكون منها غير ذي شأن.

كان كل شيء يأخذ طريقه في حياة هذا الشاب إلى أن يتكون .. ولكن أبعاده لم تكن قد استقرت بعد .. كان هنالك تطلع، وكان هنالك نباهة، وكانت هنالك هذه الهالة التي أخذت تنعقد حوله أو هذه الهالات التي أخذت تضيء من حوله .. وكان هنالك هذه الهالة التي أخذت تنعقد حوله، أو هذه الهالات التي أخذت تضيء من حوله وكان هنالك في دنياه كل هذه الآفاق: العلم، والدراسة، واللغة الأجنبية بما يكون من إثارتها ودفعها، والأزهر والقاهرة وما كان يضطرم فيهما وينبعث عنهما وما تلهج به الصحافة والمجالس والحلقات .. وكان وراء هذه المشاهد المتماوجة في دنيا هذا الفتى خلفية عريضة لعلها أن تكون حجر الأساس من هذا البناء أو من آساسه الأولى تلك هي هذه الموجة التي أخذت تعم بلاد الشام كلها، من طور سيناء إلى طوروس، تثير عند الناس إحساسهم بذواتهم، وتفجر أحيانًا هذه الأحاسيس نقدًا أو ثورة، صراخًا أو رجاء .. وتلونه شعرًا أو كتابة حينًا، ووعظًا ودرسًا وإثارة حينًا آخر، وجمعيات وأحزابًا حينًا ثالثًا ... كانت من هذه الموجات التي تضطرم أحيانًا حتى لتطلم الصخر فيفنيها الصخر، أو تنساب على الرمل هادئة لينة فتداعب الرمل وتجرجر بعض حياته ... موجات من شكوى الحكم والإحساس بالظلم، والدعوة إلى الإصلاح، والنفرة من هذا الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت