ولم يقتصر الأستاذ التنوخي في الترجمة الشعرية على القصائد فحسب وإنما تعداها أحيانًا إلى بعض الأقوال التي شاعت في الأدب الفرنسي فأقحمها في بعض مقالاته نثرًا أو نظمًا. قال: وقد نظمت أنا هذا المعنى.
ومهما يكن من أمر هذه الظاهرة فالمؤكد أنها تقف واحدة من أبرز الظواهر في نتاج التنوخي الشعري وتضاف بوجه من وجوهها إلى جانب آخر من البحث الذي يستحق أن يتناول تناولًا خاصًا عن التنوخي المترجم .. وقد عرفناه مترجمًا في كتاب قلب الطفل وفي كتاب مبادئ الفيزياء.
وإن ذلك لنحو من الحديث لا يتسع له هذا الحيز الضيق.
لقد كان فيما قدمت أن التنوخي الأديب يتمثل في شعره وفي أبحاثه الأدبية، أما النثر فلم أقع له على نثر فني صرف يستوقفني .. ولكن الروح الأدبية عند التنوخي كعروق الذهب التي تمتد هنا وهناك في الصخر تزينه وتبهرجه وتلقي عليه الألق والرواء .. إنها يمكن أن تلتمس في مقدمات كتبه وفي تعليقاته، كما تلتمس في شعره وأبحاثه .. هي في شعره وأبحاثه منجم، حيث يختلط التراب بالذهب ويحتاج الأمر إلى تصفيته، وهي في أعماله الأخرى هذه العروق المتشعبة التي تزين ترجماته وتعليقاته ...
لقد تحدثت عن التنوخي الأديب الذي يحسن الشعر ويجيد النثر. ويتقن المحاضرة ويزين البحث. ولكني أغفلت الأدب الآخر أدب النفس .. وقفت هذه الوقفة الطويلة عند أدب الدرس أما أدب النفس الذي هو تتويج لأدب الدرس فقد كان نبضة حية في صدر الأستاذ التنوخي وكان نورًا نيرًا في وجهه وسلوكًا واضحًا في سلوكه .. كان من أطيب الناس معشرًا وأصفاهم خلقًا، وأبعدهم عن كثير من تعقيدات الحياة المعاصرة .. كان إلى البساطة في بعض المواقف أقرب منه إلى أي شيء آخر .. ولم يكن ذلك عن إغفال ولكنه كان عن تغليب الخير ومحبة الأخيار ومجانبة الشر ومباعدة الأشرار .. كان إذا سئل أجاب فوق ما يريد السائل، وإذا استفتي أفتى فوق ما تحتاج الفتيا .. كان حريصًا على العلم أن يذاع، وعلى اللغة أن تقرب، ولذلك كان كثيرًا ما يسوقه اندفاعه هذا وحبه أن يخوض في الحديث فيسرف فيه ويتابعه كأنما كان يريد أن يلقي في نفوس مستمعيه كل ما عنده .. ألم يكن من هذه البقية الصالحة التي تؤمن أن العلم في أعناقنا أمانة وأن نشر هذا العلم على الناس فريضة؟
تمنيت لو تحدثت عن ملامح أخرى من أدب النفس عند التنوخي .. عن تواضعه واستواء خلقه ..
ولست أنسى أيامًا من الطفولة كنت أصحب فيها حلقة من حلقات الدمشقيين على رأسها محدث الشام خالي المرحوم محمود ياسين وكانت هذه الحلقة تقضي أيامًا من أيام العطل في متنزه العين الخضراء حين كانت العين الخضراء أرضًا عذراء لم تمتد إليها يد بتشذيب أو تهذيب أو تزيين فكنا نرد العين في