امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم: 3 - 6]
ولذلك جاءتهما الإجابة والتلبية سريعة من الله: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) [الأنبياء: 89، 90]
هذه هي الشكوى إلى الله، وهي كما ترى - عزيزي القارئ - رغبة ورجاء وتقرب وتزلّف إلى الملك -سبحانه وتعالى- فهي في الحقيقة قُربى لا شكوى.
وعلى الضد منها تمامًا الشكوى من الله؛ فإنها سخط وتضرّم وتبرّم من أقدار الله -عز وجل!
نسمع هذا من بعض أهل البلاء الذين نزلت بهم بعض الأقدار المؤلمة، فتظهر هذه الشكوى على ألسنتهم في تعبيرات شتى؛ فمن قائل: أما وجد الله بين السماء والأرض من خلقه إلا أنا؟
ومن قائل: هي كل بلوى في الدنيا تنزل على فلان، أليس في الدنيا إلا فلان، كل مصائب الدنيا على رأس فلان، أليس هناك غيري، أما وجدت إلا أنا، وهكذا.
وربما لا تظهر هذه الألفاظ على الألسن، لكنّ القلوب تكنّها وتحويها، والعبارات تحوم حولها وتلفت الأسماع رغمًا إليها في لحن قولها، كما جاء رجل يومًا إلى الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله يشكو إليه شدة حاجته وفقره، فأكثر وأطال، حتى أحس أبو حامد منه سخطًا ونقمة على الرحمن جل جلاله، فأراد أن يرده الى صوابه، لكن بطريقة حسنة سهلة راشدة، فقال: يا فلان! إني أعرف رجلًا من أهل اليسر والغنى في مكان كذا وكذا وقد ابتلاه الله بالعمى، فهو يريد عينًا يبصر بها، أتعطيه إحدى عينيك ويعطيك عشرة آلاف؟ فأجاب الرجل على الفور: لا.
قال أبو حامد: أفتعطي الكسيح رجلًا بعشرة آلاف؟
قال: لا.
قال أبو حامد: فتعطي الأشل يدًا بعشرة آلاف.