الصبر عن الله!
ومن الجدير أن نلفت الأنظار إلى نوع دقيق من أنواع الصبر عرفه أهل العبادة والقرب، وجهله كثير من النّاس، ألا وهو الصبر عن الله، وهو نوع مذموم، فإذا كان الصبر الذي تحدّثنا عنه كلّه هو صبر محمود مطلوب، فهذا الصبر مذموم، حُكي عن بعض العارفين أنه سأل الشبلي عن الصبر أيه أشد؟ فقال: الصبر في الله تعالى؛ فقال: لا، فقال: الصبر لله، فقال: لا، فقال: الصبر مع الله، فقال: لا، فقال: فأيش؟ قال: الصبر عن الله؛ فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف [1] .
وقد قيل في معنى قوله تعالى {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200] اصبروا في الله، وصابروا بالله، ورابطوا مع الله.
وقيل: الصبر لله غناء، والصبر بالله بقاء، والصبر مع الله وفاء، والصبر عن الله جفاء [2] .
وفي معناه قول الشاعر:
والصبر عنك فمذموم عواقبه ... والصبر في سائر الأشياء محمود
وقيل -أيضًا-:
الصبر يجمل في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يجمل [3]
فيا من لا يزال يتخبط في غيه بعيدًا عن رضا ربه: إنك -يا مسكين- محروم!
يالشدة صبرك عن محبوبك، ينعم عليك بكلّ هذه النّعم وأنت ما تزال في سكرتها غافلًا عمن أنعم بها عليك؟ تالله لو تعي حقيقة ما تفعل لسقطت ميتًا!
(1) تاريخ دمشق (66/ 61) .
(2) انظر: عدة الصابرين (46،47) .
(3) إحياء علوم الدين (3/ 181) .