ذكر الله تعالى الصبر في تسعين موضعًا من القرآن الكريم، وكفى الصبر وأهله بهذا شرفًا وفضلًا، وحسبهم بذلك حثًّا عليه وترغيبًا فيه، ولا نستطيع في مقامنا هذا أن نشير إلى جميع هذه المواضع، لكن نذكر منها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]
وأول ما تنتبه له الفكرة في هذه الآية الكريمة هو فعل الأمر الذي يفيد الوجوب!
فالصبر ليس نافلة، ولا مستحبًّا، لا، إنما هو واجب، ففرضٌ على العبد أن يصبّر نفسه على تنفيذ طاعة الله، واجتناب معصية الله، وعدم الجزع عند ابتلاءات الله.
ومن الآيات الموضحة لمكانة الصبر قوله تعالى:"ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور". لا يوفق للصبر إلا أهل العزائم، وهو شيمة طلاب المعالي!
وقال -عز وجل-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .
وهذه الآية من الآيات العظيمة التي تكشف عن أجر الصابرين عند الله،، إنّه بغير حساب، ليس على قدر البشر، بل على قدر الله - عز وجل - الذي لا يتصوّر عطاءه عقلٌ فيقدّره!
ومن أعظم ما يوضّح مكانة الصبر ويبين شرفه - إن لم يكن أعظمه- قوله -عز وجل-: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] ، فيكفي الصبر شرفًا أنه المؤهل الذي يستحق به أصحابه معية الله وصحبته.
لقد ذهب الصابرون بالأجر الجزيل في الدنيا والآخرة!
وكيف لا؟ وقد روى مسلم من حديث أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله:"الصبر ضياء" [1] .
الله! أرأيت إلى هذا التعبير:"والصبر ضياء"؟! يعني يضيء للإنسان طريقه ليرى الجادّة فيسلكها.
(1) أخرجه مسلم (556) .