عندما تحتلك الظلمات وتشتد الكربات يهدي الصبر صاحبه إلى الحق، ومن ثمّ أمر الله -عز وجل- خلقه بالاستعانة به، فقال سبحانه:"واستعينوا بالصبر"، فهو ضياء للإنسان في قلبه، وضياء له في طريقه ومنهاجه وعلمه، فكلما سار العبد إلى الله على طريق الصبر زاده الله هدى وضياء وبصيرة [1] .
إنّ الصبر رفيق العبد في جميع أحواله وروى مسلم من حديث صهيب -رضي الله عنه- أن النبي قال:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن". [2] .
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي قال:"وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر". [3]
الله! من رضي فله الرضا، ومن صبر فله الخير كله، ولنا في السابقين الصادقين الأسوة والقدوة، أين الذين صبروا ورضوا بما آتاهم الله من فضله فمحمد صلى الله عليه وسلم إمامهم إلي الجنة.
أين الذين صبروا عن المعصية فاجتنبوها وقد اقتدروا عليها، ولم يقربوها مخافة الله، فيوسف -عليه السلام- إمامهم إلي الجنة.
أين الذين صبروا في البلاء وقابلوا قدر الله فيه بما أحب، فأيوب -عليه السلام- إمامهم إلي الجنة.
أيها الحبيب! من علامات حب العبد لله: أن يكون صابرًا، فالصبر من آكد المنازل في طريق المحبة، وألزمها للمحبين، فإنَّ بقوة الصبر على المكاره في مراد المحبوب، يُعلم صحة محبته، ولهذا كانت محبة أكثر الناس كاذبة، لأنهم كلهم ادعوا محبة الله تعالى، فلما امتحنهم بالمكاره، ظهروا على حقيقتهم، ولم يثبت إلا الصابرون، فلولا تحمّل المشاق، وتجشم المكاره، بالصبر، لما ثبتت صحة محبتهم، انظر رعاك الله، كيف وصف الله تعالى بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه، فقال عن حبيبه أيوب: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} ، ثم أثنى عليه قائلًا: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ، وأمر الله أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه وأخبر أنَّ صبره به وبذلك تهون جميع المصائب فقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} وقال: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ
(1) شرح رياض الصالحين (4/ 16) .
(2) أخرجه مسلم (7692) .
(3) أخرجه البخاري (1469) ، ومسلم (2471) .