وبرهان ذلك ما روى أبو داود بسند صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى إما بموت عاجل أو غنى عاجل" [1] .
هذا هو تحقيق مسألة الشكوى أنها نوعان: شكوى إلى الله وهي لا تنافى الصبر بل تدعمه وتقويه، وشكوى من الله وهي تضاد الصبر وتجافيه وتنافيه.
أقسام الصبر: ولمكانة الصبر في الإسلام نجده يدخل في كلّ جانب من جوانبه، ففي الطاعة صبر، وفي المعصية صبر، وفي حال الرخاء صبر، وفي حال الشدة صبر، ولذلك من المناسب أن نشير إلى أنّ الصبر ينقسم في مجمله إلى ثلاثة أقسام: صبر على المأمور، وصبر عن المحظور، وصبر على المقدور.
صبر على المأمور: أما الصبر على المأمور فهو الصبر على طاعة الله -عز وجل-، فالطاعة تحتاج إلى صبر، لأنّ فيها تكليفًا يختبر الله به عباده، ليعلم سبحانه من يقوم به ومن يهمله، كما قال الله -عز وجل-: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]
فالطاعة تحتاج إلى صبر ومجاهدة ومرابطة ومصابرة حتى تؤتي ثمارها بإذن ربها، وأن يصبر العبد كذلك على أدائها على الوجه المشروع برضا ومحبّة، وأن لا تكون آلية، ميكانيكية، يؤديها العبد ولا يحس حلاوتها ولا يذوق لذتها، أمّا من أقبل على الطاعة وهو لها محبّ وبها عارفٌ ولآثارها ملتمسٌ، فإنّه يذوق من حلاوتها ويجد من راحتها ما يطيب له قلبه وتقر له عينه، ولذلك قال من قال من علماء السلف: عالجت قيام الليل سنة ثم استمتعت به عشرين سنة فالطاعة تحتاج إلى صبر حتى تنتج لذتها وحلاوتها،"فوا أسفاه وواحسرتاه، كيف ينقضي الزمان وينفد العمر والقلب محجوب ما شمّ لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إليها، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم وانتقل انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزًا وموته كمدًا، و معاده حسرة وأسفًا، اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك!" [2] .
والمطيع يحتاج إلى الصبر على طاعته في ثلاثة أحوال:
(1) أخرجه الترمذي (2327) والحاكم (1/ 408) والبيهقي (4/ 196) ، وانظر الصحيحة (6/ 676) .
(2) طريق الهجرتين (ص 211) ، ابن القيم، ط السلفية.