الأولى: أن يكون مدخولُ حرف الجر المنزوع مصدرًا مؤوَّلا من الحرف المصدري وصلته، كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ، وفي هذا الشأن ذهب السمين الحلبي إلى أنَّ" (أَنْ) وم 4 ا في حَيِّزِها مفعولٌ ثانٍ لـ (يَأمركم) ، فموضِعُها يجوزُ أن يكونَ نصبا، وأن يكونَ جرَّا؛ لأن الأصل على إسقاط حرف الجر أي بأن تَذْبَحُوا، والأصل: بذبح بقرةٍ، فلو نزع حرف الجر منه لقيل: يأمركم ذبحَ بقرةٍ كما تقول: أمرتك الخيرَ [1] ، لذا قال العكبري:" (أن تذبحوا) في موضع نصب، على تقدير إسقاط حرف الجر، وتقديره: بأن تذبحوا، وعلى قول الخليل: هو في موضع جر بالباء، ويجوز أن يقول الخليل:"هو هنا في موضع نصب فتعدى أمر بنفسه"، كما قال عمرو بن معد يكرب:
أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ، فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ = بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبِ [2]
أي: بالخير [3] ؛ لأن الأمر لا يصل إلى المأمور إلا بحرف لا غير [4] .
هذا، ويلحظ أن الشيخ السمين هاهنا يذهب إلى ما قال به الخليل من أن هذا الموضع موضع جر، وقد برر لذهابه إلى القول بالنصب، على أن الخليل يمكن أن يعدل إلى موضع النصب أيضا؛ لأن هذا الفعل يجوز حذف الباء معه، ولو لم تكن الباء في (أن) ، نحو: أمرتك الخير.
الثانية: أن يكون مدخولُ حرف الجر المنزوع أن ومعموليها، ومنه قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} ، قال السمين:" (أنَّ) وما في حَيِّزها في محلِّ جَرّ عند الخليل والكسائي، ونصبٍ عند سيبويهِ والفراء، لأن الأصلَ": وبَشِّرِ الذين آمنوا بأنَّ لهم، فحُذِفَ حرفُ الجر مع (أَنَّ) ، وهو حَذْفٌ مُطَّردٌ معها ومع"أَنْ"الناصبة للمضارعِ، بشرط أمْنِ اللَّبْسِ، بسبب طولهما بالصلة" [5] ."
(1) الدر المصون 1/ 313
(2) ديوانه 63
(3) التبيان 1/ 73
(4) المخصص 14/ 244
(5) الدر المصون 1/ 159