والثاني: ما انتصب على أنه مفعولٌ لأجله، ومن ذلك ماذهب إليه السمين الحلبي في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} ، وقد اعتد بما ذهب إليه الخليل في هذه المسألة قائلًا: قوله:"أمَّا {ابتغاء مرضاة الله} فإنه منصوب على المفعول من أجله" [1] ، من الفعل (يشري) ، كأنه قال: لابتغاء مرضاة اللهِ، فلما نزع اللام؛ عمل الفعلُ، ومثله: {حذر الموت} ، وأشباه هذا كثير، قال الخليل في قول حاتم الطائي:
وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ اصطناعه = وَأُعْرِضُ عَنْ شتْمِ الَّلئِامِ تَكَرُّمَا [2]
"أي لاصطناعه" [3] ،"ولما حذف اللامَ؛ عمل فيه الفعل" [4] ، وقال المبرد:"تقول: جئتك ابتغاءَ الخير، فتنصب، والمعنى معنى اللام .... ، فهذا قول الخليل" [5] .
والثالث: ما انتصب على أنه مصدرٌ، وذلك نحو قولهم: أحقًا أنك ذاهبٌ؟ قال السمين عند تعرضه لقوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} ، قال:"وقوله: {حَقًّا} مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لمعنى هذا الوعد، وناصبُه مضمر، أي: أَحُقُّ ذلك حقًا. وقيل: انتصب"حقًا"بـ"وَعْدَ"على تقدير"في"، أي: وَعْدَ الله في حق، يعني على التشبيه بالظرف" [6] ، وقد أيد ما ذهب إليه بتلك الإجابة التي أجابها الخليل ردًّا على سؤال سيبويه.
قال سيبويه:"سألت الخليل، فقلت: ما منعهم أن يقولوا: أحقًا إنك ذاهب؟ على القلب، كأنك قلت: إنك ذاهب حقًا، وإنَّك ذاهب الحقَّ، وأنَّك منطلقٌ حقًا؟ فقال:".... ، حملوه على: أفي حقٍّ أنك ذاهبٌ، وعلى: أفي أكبر ظني أنك ذاهبٌ" [7] ."
والصورة الثانية: نزع حرف الجر واحتمال المحل للنصب والجر، وتندرج في مسألتين:
(1) الدر المصون 2/ 357
(2) ديوان حاتم الطائي 108
(3) الجمل في النحو 95
(4) الدر المصون 2/ 357
(5) المقتضب 1/ 129
(6) الدر المصون 5/ 148
(7) الكتاب 3/ 134 - 137