كليهما عاملٌ للخفض، فإذا حذف الخافض؛ فإما أن يصل العاملُ الذي هو قبْل الخافض إلى الاسم المجرور فيؤثِّرُ فيه بما يقتضيه عمله، وإما أن يبقى الاسمُ مجرورًا، ولم يطلقوه على صورة إبقاء الاسم مجرورًا بعد نزع الخافض، ولذلك جعلوه من الأمور التي يُعدَّى بها الفعلُ القاصر [1] ، ومن تتبُّع مواضعِ نزع الخافض (حرف الجر والمضاف) في كتاب الدر المصون؛ يمكن القول بأن نزع الخافض يظهر في ثلاث صور تأثر فيها الشيخ السمين بآراء الخليل بن أحمد:
الأولى: نزع حرف الجر وانتصاب الاسم، وهي ثلاثة أقسام:
أحدها: ما انتصب على أنه مفعول به، وذلك في باب (نصح) ، أعني الفعل الذي يتعدَّى بحذْف حرفِ الجرِّ، مما يتعدَّى إلى مفعولٍ، أو مفعولين، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} ، قال السمين:"و (نَصَحَ) يتعدَّى لواحدٍ تارَةً بنفسه، وتارةً بحرف الجرِّ، ومثله: (شَكَرَ) ، وقد تقدَّم [2] ، و (كال، ووزن) ، وهل الأصلُ التعدِّي بحرف الجر؟ أو التَّعدِّي بنفسه؟ أو كل منهما أصْلٌ؟ الرَّاجِحُ الثَّالِثُ" [3] ، وفي قوله:"الراجح الثالث"إنما يذهب فيه مذهب الخليل الذي يرى: أنَّ كلًا منهما أصل، قال:"ونَصَحْتُه، ونَصَحْتُ له نُصحًا ونَصيحةً" [4] ، ويمكن القول بأنَّ التعدي في هذا الباب بحرف الجر جاء أكثر من التعدي بدونه، وغاية الأمر أن من العرب من يعدل عن الأصل، وهو التعدي بحرف الجر إلى إيصال الفعل إلى الثاني بنفسه،"فيجب فيما كَثُر واطَّرد أن يُدَّعى فيه أنه أصلٌ" [5] ، وأنه لم يأتِ الفعل (نصح) في القرآن إلا واصلًا بحرف الجر، عدا قراءةِ أبي حيوة الشاذة"نَصَحُوا اللهَ"بغير لام [6] ، في قوله تعالى {إذا نصحوا للهِ ورسولهِ} بنزع حرف الجر، ونصب لفظ الجلالة [7] .
(1) ينظر مغني اللبيب 861 وشرح الأشموني 2/ 97
(2) الدر المصون 2/ 184
(3) الدر المصون 5/ 280
(4) كتاب العين (نصح) 3/ 119
(5) البسيط 1/ 460
(6) تفسير اللباب 8/ 341
(7) البحر المحيط 5/ 482