أقبل يدعو فقال: اللهم ها قد أصبح الصبح، وطفق الناس يغدون ويروحون، يبتغون من فضلك، وإن لكل منهم حاجة، وإن حاجة عامرٍ عندك أن تغفر له، اللهم فاقضِ حاجتي وحاجاتهم يا أكرم الأكرمين.
اللهم إني سألتك ثلاثًا، فأعطيتني اثنتين، ومنعتني واحدة، اللهم فأعطِنيها حتى أعبدك كما أحب وأريد، ثم نهض من مجلسه، فوقع بصره علي ... فعلم بمكاني منه في تلك الليلة، فجزع [1] لذلك أشد الجزع، وقال لي في أسًى [2] : أراك كنت ترقبني الليلة يا أخا البصرة؟! فقلت: نعم، فقال: استر ما رأيت مني ستر الله عليك، فقلت: والله لتحدثني بهذه الثلاث التي سألتَها ربك، أو لأخبرن الناس بما رأيته منك، فقال: ويحك [3] لا تفعل! فقلت: هو ما أقول لك، فلما رأى إصراري قال: أحدثك على أن تعطيني عهد الله وميثاقه ألا تخبر بذلك أحدًا، فقلت: لك عليَّ عهد الله وميثاقه ألا أفشي لك سرًّا ما دمت حيًّا، فقال: لم يكن شيء أخوف عليَّ في ديني من النساء، فسألت ربي أن ينزع من قلبي حبهن، فاستجاب لي، حتى صرت ما أبالي [4] امرأة رأيت أم جدارًا، فقلت: هذه واحدةٌ، فما الثانية؟ فقال: الثانية أني سألت ربي ألا أخاف أحدًا غيره، فاستجاب لي، حتى إني والله ما أرهب شيئًا في الأرض ولا في السماء سواه، قلت: فما الثالثة؟ فقال: سألت ربي أن يُذهِب عني النوم؛ حتى أعبده بالليل والنهار كما أريد، فمنعني هذه الثالثة، فلما سمعت منه ذلك، قلت له: رفقًا بنفسك؛ فإنك تقضي ليلك قائمًا، وتقطع نهارك صائمًا، وإن الجنة تدرك بأقل مما تصنع، وإن النار تتَّقى بأقلَّ مما تعاني، فقال: إني لأخشى أن أندم حيث لا ينفع الندم، والله لأجتهدن في العبادة ما وجدت إلى الاجتهاد سبيلًا؛ فإن نجوتُ فبرحمة الله، وإن دخلت النار فبتقصيري"؛ (انظر الطبقات الكبرى لابن سعد: 7/ 103) ، (صفة الصفوة: 3/ 201) ، (حلية الأولياء: 87 - 95) ، (تاريخ الطبري: 4/ 19) ، (المعارف لابن قتيبة: ص 438) ."
(1) جزع: خاف واغتم.
(2) في أسًى: في حزن.
(3) ويح: كلمة ترحُّم وتوجُّع.
(4) ما أبالي: ما أهتمُّ وما أكترث.