الصفحة 20 من 37

جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنةٍ مرة أو مرتين، وإنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى [1] الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري؛ فإنه نعم السلفُ أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيتِ، فلما رأى جزعي سارَّني الثانية، فقال: يا فاطمة، أما ترضَيْنَ أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت"."

-ومن صور إفشاء السر بعد موت صاحبه:

ما حدث مع عامر بن عبدالله التميمي رحمه الله؛ حيث يقول عنه أحد أبناء البصرة:"سافرت في قافلة فيها عامر بن عبدالله، فلما أقبل علينا، نزلنا بغيضةٍ [2] ، فجمع عامر متاعه، وربط فرسه بشجرة، وطول له زمامه [3] ، وجمع من حشائش الأرض ما يشبعه وطرحه أمامه، ثم دخل الغيضة وأوغل [4] فيها، فقلت في نفسي: والله لأتبعنه ولأنظرن ما يصنع في أعماق الغيضة في هذه الليلة، فمضى حتى انتهى إلى رابية ملتفة الشجر مستورة عن الأعين .. فاستقبل القبلة، وانتصب قائمًا يصلي، فما رأيت أحسن من صلاته ولا أكمل ولا أخشع، فلما صلى ما شاء الله أن يصلي، طفق [5] يدعو الله ويناجيه، فكان مما قاله: إلهي، لقد خلقتَني بأمرك، وأقمتني في بلايا هذه الدنيا بمشيئتك، ثم قلت لي: استمسك [6] ، فكيف أستمسك إن لم تمسكني بلطفك يا قوي يا متين؟ إلهي، إنك تعلم أنه لو كانت لي هذه الدنيا بما فيها، ثم طلبت مني مرضاةً لك، لوهبتها لطالبها، فهب لي نفسي يا أرحم الراحمين .. إلهي، إني أحببتك حبًّا سهَّل عليَّ كل مصيبة، ورضَّاني بكل قضاء .. فما أبالي مع حبي لك ما أصبحت عليه، وما أمسيت فيه."

قال الرجل البصري:

"ثم إنه غلبني النعاس، فأسلمت جَفني إلى الكرى [7] ، ثم ما زلت أنام وأستيقظ، وعامر منتصب في موقفه، ماضٍ في صلاته ومناجاته، حتى تنفَّس الصبح [8] ، فلما بدا له الفجر أدى المكتوبة [9] ، ثم"

(1) وإني لا أرى: أي لا أظن.

(2) الغيضة: مجتمع الشجر في مغيض الماء.

(3) الزمام: الرسن، وهو الحبل الذي تقاد به الدابة.

(4) أوغل فيها: أبعد وتوارى.

(5) طفق يدعو: أخذ يدعو.

(6) استمسك: اضبط نفسك.

(7) الكرَى: النوم.

(8) تنفَّس الصبح: تبلَّج الصبح وظهر.

(9) المكتوبة: الصلاة المفروضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت