أما ظروفه فرديئة عموما، ولقد حقق البلاشفة انجازات عظيمة في المدن منذ عام 1917 ببناء الأبنية الأخاذة والشوارع الحديثة. أما القرى قلم تتبدل عما كانت عليه في الحرب العالمية الأولى وبقي الرجل الريفي يعيش حياة ليست أحسن من سابقتها، ومعظم البيوت الريفية مصنوعة من الخشب وسقوفها على درجات متفاوتة من التأكل، إلا أن السكان يفتقرون بصورة عامة إلى أي طموح لتحسين ظروفهم طالما أنهم لم يعرفوا حياة أفضل، وبالتالي فهم لا يأبهون كثيرا المأكلهم ومشربهم وملبسهم، ومدهشة هي المدة التي يعتاشون فيها على ما يمكن اعتباره بالنسبة للرجل الغربي غذاء لحفظ الأود. ويعيش الفرد الروسي قريبة جدا من الطبيعة، ولا تؤثر فيه الحرارة والبرودة كثيرة. وفي الشتاء يحمي نفسه ضد البرد القارس بأية وسيلة تقع عليها بده وهر يعتبر استاذا في فن الابتكار، ولا يحتاج إلى أجهزة معقدة للتدفئة. أما النساء الروسيات فإنهن يتمتعن بأجسام قوية ويعملن بنفس صلابة الرجال. ولقد مكن الاحتكاك المتقارب بالطبيعة هؤلاء الناس من التحرك بحرية أثناء الليل وفي الضباب وخلال الغابات وعبر المستنقعات، وهم لا يخشون الظلام ولا ترهبهم غاياتهم اللامتناهية ولا البرد القارس، لأنهم معتادون على شتاء تهبط فيها درجة الحرارة غالبة إلى 45 درجة مئوية تحت الصفر. أما السيبيريون الذين هم سكان آسيون، كليا أو جزئيا، فهم أشد صلابة وعندهم قابليات للمقاومة أعظم مما لدى الروس الأوروبيين. ولقد خبرتنا ذلك خلال الحرب العالمية الأولى، عندما التقينا، بالفيلق السيبيري. وبالنسبة للفرد الأوروبي الغربي المعتاد على البلدان الصغيرة، تبدو المساحات الشاسعة في الشرق وكأنها لا نهاية لها، إلا أن الأمريكي الساكن في الولايات المتحدة، والذي اعتاد التفكير بمقاييس السهول الواسعة والبراري المعشبة فريما لا يشارك الأوروبي في هذا الشعور، الذي يبعث في الشخص الأوروبي احساسأ أقرب إلى الرعب بطريقة لا يمكن تلافيها. وما يعزز هذا الشعور طبيعة الأصقاع الروسية الكئيبة، الممتدة على وتيرة واحدة، والتي أشد ما تكون ايلامة خلال أيام الخريف المعتمة وفي ظلمة الشتاء المتمادية. وعليه فإن الفرد الروسي يكون أكثر خضوعا للبلد الذي يعيش فيه، وفي اعتقادي أن تلك الأصقاع المترامية الأطراف مسؤولة إلى درجة كبيرة عن سليته وروتين حياته.
لم يكن التأثير السايكولوجي الذي تركه هذا البلد على الفرد الألماني الاعتيادي أمرا يسيرة، فلقد شعر هذا الفرد بضالته وضياعه في الفراغ الذي لا نهاية له، کا افتقد الحياة السعيدة ومستوى المدنية العالي الذي كان معتاد عليه في بلاده، وفي الوقت عينه، كان الجنود القادمون من المانيا الشرقية أسهل تكيف مع هذا البلد الغريب الجديد، وذلك لأن المانيا الشرقية هي الحلقة التي تربط بين روسيا والغرب، أما الآخرون فقد تعلموا على كل حال كيف يتكيفون کا فعل آباؤهم من قبل في الحرب العالمية الأولى، وهكذا أصبح مسرح العمليات الشرني معك حقيقية لقطعائنا، ومدرسة صعبة قاسية. أما الرجل الذي استطاع أن يبقى حية بعد مقارعة الجندي الروسي والطبيعة الروسية، فلم يبق له ما يتعلمه عن الحرب سوى القليل.