لم يتسلط هتلر في المؤتمر العسكري، في السراء والضراء، الا بسبب مناصرته من قبل عدد كاف من الضباط الأكفاء الذين كانوا يسندون أحكامه وقراراته. كما أن هتلر لم يقدم على أكثر المقامرات اليائسة بشكل يتعارض مع الرأي الموحد لقادته العسكريين فالكثيرون من قادته تابعوا ترديد وجهة نظره حتى النهاية، وحتى أولئك الذين تجرأوا في بعض الأوقات على مناقشة تقديراته البدهية، فقد قطعوا معه الشوط بكامله طالما كانت هناك أية فرصة للنجاح. وليس في هذا الكتاب شخصية تبعث على القشعريرة أكثر من کورت زيتزلر، رئيس هيئة الأركان العامة إبان احتدام معركة ستالينغراد .. انه يكتب هنا عن تلك المعركة، ونظرا لكونه لم يكن على أرض المعركة نفسها، فان مجمل قصته تتعلق بمعركته مع القيادة العليا، وكان قد اتخذ في هذه المعركة موقف المعارض، فلقد كره زيترلر ما كان هتلر يفعله بربع مليون رجل في ستالينغراد , الا انه، وهو الذي تكيف عبر السنين مع مذهب عسكري، بدلا من أن يقول ا انني لن أشارك في جريمة كهذه، تراه يتصاني ويتعقب طريقا ضالا، ويبقي في منصبه كرئيس الهيئة الأركان العامة، ولربما انه قال لنفسه أن لا فائدة ترتجي من موقف سيؤدي إلى الطرد. وعلى كل حال فان موقفا كهذا ليبدو، من بعض وجهات النظر، غير سديد.
ان الشيء القيم في أي كتاب، يعتمد بالدرجة الأولى على ما يبحث عنه المرء. ويبدولي ان الطبيعة الغريبة للعلاقات البشرية ضمن صرح القيادة النازية، والتي يكشف عنها هذا الكتاب بوضوح لاول مرة، في أشد وقعا وأبعد سحرا من التحليل خطوة فخطوة لتلك القرارات المملكة، التي أدت إلى القضاء على الهتلرية، حيث أن النهاية المميتة كانت محتومة،
طالما ان تجاوز القدرة يعتبر خطأ ملازما للآلة. ومنذ شهر حزيران عام 1940، كان واضحا بدرجة كافية أن آلة هتلر الحربية تعاني قصورا حرجا في مدفعية الحصار، والنقل الآلي، وعربات التموين المجنزرة (المسرفة) ، والوحدة القيادية، وأخيرا في احترام عزيمة القتال للشعوب الأخرى، وكان عليها أن تدفع في الوقت المناسب ثمن خطتها كاملا , ولكن الأسئلة التي بقيت عالقة هي: كيف ومتى وأين؟
ان معارك: بريطانيا (1) ، والعلمين، وستالينغراد، وموسكو، ونورماندي، والأردين، كانت كلها اندحارات المائية كبرى، لعب فيها اولئك الذين هبوا لمقاومة هتلر دورا أصغر مما لعبته الخطيئة النموذجية للمعتدي، ألا وهي حتمية الإسراف في التوسع. اذ ان التهام لقمة أكبر مما يستطيع المرء مضغه على مائدة الطعام، تؤدي فقط الى غصة. أما في ميدان المعركة، فان ذلك يعتبر بمثابة الطريق المستقيم نحو الكارثة , وذلك هو عين ما تتعلمه مسير اياتا ووحداتنا، عند كل مناسبة تحاول فيها أن تغطي أرضا واسعة جدا بعدد قليل جدا من الرجال.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ليس المقصود هنا المعارك التي خاضتها بريطانيا بل المعركة الجوية الهائلة فوق القنال البريطاني والجزر البريطانية والتي أدت في النهاية الى انتقال السيادة الجوية على يد الحلقاء
المترجم