الخدمة المدنية الهندية التابعة للتاج البريطاني؟ لكن عولمة الاقتصاد الصناعي
جعلت التحديث دوليا، فأي شيء ستتعلمه كوريا الجنوبية من الولايات المتحدة التي تستقدم خبراء الأنظمة الحاسوبية من الهند وتصدر أعمالها المكتبية إلى سريلانکا، بينما لا تنتج البرازيل البن فحسب ولكن الطائرات الخاصة؟ ربما يبقى الآسيويون يجدون من المفيد إرسال أولادهم للدراسة في الغرب، ليتعلموا هناك في الغالب على أيدي أكاديميين آسيويين من المهاجرين، أما وجود الغربيين في بلدانهم -ناهيك بالقوة والتأثير السياسي المحلي - فلم يعودوا بحاجة إليها من أجل تحديث مجتمعاتهم.
غير أن القوى التي يمكن أن تغدو إمبراطوريات تواجه شل آخر، إذ لم يعد بإمكانها أن تعتمد على الطاعة العمياء لرعاياها. وبفضل ما خلفته الحرب الباردة فقد بات بوسع من يستنكفون عن الخضوع للدولة المركزية الوصول إلى أسلحة من القوة بحيث تستطيع إيقاف الدولة عند حدودها. في الماضي كان يمكن حكم البلاد بثلة من الأجانب قليلة العدد، لأن حكم أي نظام يتمتع بقوة فاعلة كان مقبولا لدى الشعوب التي اعتادت على أن يحكمها من فوقها، سواء أكان من أهل البلد أم أجنبية. فالحكم الاستعماري، إذا ما ضرب بأطنابه واستقر، ما كان ليواجه مقاومة إلا من قبل الشعوب التي من دأبها رفض أي قوة مركزية للدولة، وطنية كانت أم أجنبية، والتي عاشت عادة في مناطق مثل الجبال الأفغانية والبربرية والكردية، خارج دائرة السيطرة المدنية الفعالة. وحين هؤلاء كانوا يعلمون أنه كان عليهم التعايش مع القوة الأكبر للسلطان والقيصر والراجا. واليوم، كما يبدو من المناطق الفرنسية السابقة في أفريقيا، فإن وجود بعض القوات الفرنسية وحده لم يعد كافيا للإبقاء على الأنظمة المحلية، كما
کسان الأمر لعقود تلت التفكيك الرسمي للمستعمرات. فقد ثبت اليوم أن الحكومات بكامل قوتها المسلحة عاجزة عن فرض سيطرة تامة على مناطقها العقود من الزمن، في سريلانکا و کشمير الهند وكولومبيا وقطاع غزة والضفة الغربية، أو لذات السبب في أنحاء من بلفاست. هناك في الحقيقة أزمة عامة في قوة الدولة وشرعيتها، حتى في عقر دار مناطق الدول الأوروبية الراسخة كإسبانيا والمملكة المتحدة.