وقبل الكلام عن القومية الجديدة ومنشأها ومصابها التي جناها الناس من خلفها. يجدر بنا إلقاء نظرة سريعة على حال العرب قبل الإسلام، لنرى كيف أحيا الإسلام أمة العرب من عدم وبالتالي فلا حياة لها إلا به؟
فبعد أن بعد العرب عن ملة إبراهيم عليه السلام وبعد أن أوحى الشيطان لزعيم لهم هو عمرو بن لحيّ، بعبادة الأصنام كان من أمر فرقتهم واختلافهم وقتالهم بعضهم بعضا ما يذهل العقل، فهم على قتالهم كانت حروبهم بينهم تدوم أعوامًا عديدة، فحرب البسوس بين بني بكر وبين مرة دامت أربعين سنة متوالية، وحرب داحس والغبراء دامت هذا العدد من السنين، والأسباب من التفاهة بمكان والحرب التي كانت بين الأوس والخزرج والتي دامت السنين الطوال، وحرب امرئ القيس ضد قتلة أبيه ... الخ.
وذكر ذلك يطول ويطول.
إذن فالتشرذم والتنافر والتقاتل كان سمة بارزة أدت إلى جعل الأمة العربية أمة لا يأبه بها العجم من الفرس والروم، بل إن هذا الوضع جعل كثيرًا من القبائل العربية التي على تخوم فارس تنضوي تحت لواء فارس، وكذلك الأمر فالقبائل التي كانت على تخوم الروم والت الروم، واليمن وما فيه من القبائل كان متقلب بين الحبش والفرس.
فالعرب فيما بينهم كقبائل ليس بينهم إلا السيف والدم بينما على غيرهم فهم إما تبع للفرس أو للروم أو للحبش. وليس لهم أي كيان سياسي أو عسكري يخافه الروم أو الفرس إلا بعض الحروب القليلة مثل يوم ذي قار .. ولم يكن وضعهم الاجتماعي أحسن حالًا من الوضع السياسي والعسكري، فكان وضع المرأة المتردي، ووأد البنات، وفوق ذلك وتحته عبادة الأصنام وما تخلفه من أدواء. وغيرها من الصفات التي محاها الإسلام ورفضها. فحثهم على الاعتصام والاجتماع وكان ذلك حتى قوضوا دولة الفرس والروم والقضاء على كل الصفات المذمومة ليشير بوضوح ويدل دلالة جازمة على عظمة هذا الدين.
نعم كانت هناك بعض الصفات المحمودة كالنخوة والشجاعة والكرم والمروءة، ولكنها كانت كقطرة خير في بحر من أمواج الشر المتلاطمة.
هذه هي حالة العرب قبل الإسلام، لا تنظيم سياسي ولا اجتماعي ولا قوة اقتصادية ولا قوة عسكرية ولا شئ من الأمور التي تخيف منهم الأمم، فكانوا في ذيلها. وهذا لا يماري فيه أحد ولا يستطيع إثبات عكسه.