4. {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} (الكهف: 5) .
5. {وَلاَ يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} (الحجرات: 12) .
6. {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36) .
7. {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} (فاطر: 10) [1] .
(1) قال القرطبي في تفسيره 14/ 329: ( {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وتم الكلام. ثم تبتدئ {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} على معنى: يرفعه الله، أو يرفع صاحبه. ويجوز أن يكون المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون الكلام متصلًا على ما يأتي بيانه. والصعود هو الحركة إلى فوق، وهو العروج أيضًا. ولا يتصور ذلك في الكلام لأنه عرض، لكن ضرب صعوده مثلًا لقبوله، لأن موضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل. وقال الزجاج: يقال ارتفع الأمر إلى القاضي أي علمه؛ فهو بمعنى العلم. وخص الكلام والطيب بالذكر لبيان الثواب عليه. وقوله {إِلَيْهِ} أي إلى الله يصعد. وقيل: يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حكم. وقيل: أي يحمل الكتاب الذي كتب فيه طاعات العبد إلى السماء. و {الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} هو التوحيد الصادر عن عقيدة طيبة. وقيل: هو التحميد والتمجيد، وذكر الله ونحوه. وأنشدوا:(لا ترضَ من رجلٍ حلاوة قوله .... حتى يزين ما يقول فعال .... فإذا وزنت فعاله بمقاله .... فتوازنا فإخاء ذاك جمال) . وقال ابن المقفع: قول بلا عمل، كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. وفيه قيل: لا يكون المقال إلَّا بفعل كل قول بلا فعالٍ هباء إن قولًا بلا فعال جميل ونكاحًا بلا ولي سواء ... قلت: فالكلام على هذا قد يطلق بمعنى الكلم وبالعكس؛ وعليه يخرج قول أبي القاسم: أقسام الكلام ثلاثة؛ فوضع الكلام موضع الكلم، والله أعلم. {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وفي الحديث (( لا يقبل الله قولًا إلَّا بعمل، ولا يقبل قولًا وعملًا إلَّا بنية، ولا يقبل قولًا وعملًا ونيةً إلَّا بإصابة السنة ) ). قال ابن عباس: فإذا ذكر العبد الله وقال كلامًا طيبًا وأدى فرائضه، ارتفع قوله مع عمله .... قال ابن عطية: والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله وقال كلامًا طيبًا فإنه مكتوب له متقبل منه، وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من أتقى الشرك. وأيضًا فإن الكلام الطيب عمل صالح، وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافع للكلم، بأن يتأول أنه يزيده في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه. كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك، إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر الله تعالى كانت الأعمال أشرف؛ فيكون قوله: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} موعظة وتذكرة وحضًا على الأعمال. وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها؛ كالتوحيد والتسبيح فمقبولة. قال ابن العربي: (إن كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ينفع؛ لأن من خالف قوله فعله فهو وبال عليه. وتحقيق هذا: أن العمل إذا وقع شرطًا في قبول القول أو مرتبطًا، فإنه لا قبول له إلَّا به وإن لم يكن شرطًا فيه فإن كلمه الطيب يكتب له، وعمله السيء يكتب عليه، وتقع الموازنة بينهما، ثم يحكم الله بالفوز والربح والخسران. قلت: ما قال ابن العربي تحقيق. والظاهر أن العمل الصالح شرط في قبول القول الطيب. وقد جاء في الآثار(أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله بنية صادقة نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان العمل موافقًا لقوله صعدا جميعًا، وإن كان عمله. مخالفًا وقف قوله حتى يتوب من عمله) . فعلى هذا العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله. والكناية في {يَرْفَعُهُ} ترجع إلى الكلم الطيب. وهذا قول ابن عباس، وشهر بن حوشب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وأبي العالية، والضحاك. وعلى أن (الكلم الطيب) هو التوحيد، فهو الرافع للعمل الصالح، لأنه لا يقبل العمل الصالح إلَّا مع الإيمان والتوحيد. أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، فالكناية تعود على العمل الصالح. وروي هذا القول عن شهر بن حوشب قال: (الكلم الطيب) القرآن {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} القرآن. وقيل: تعود على الله جل وعز، أي أن العمل الصالح يرفعه الله على الكلم الطيب، لأن العمل تحقيق الكلم، والعامل أكثر تعبًا من القائل، وهذا هو حقيقة الكلام، لأن الله هو الرافع الخافض. والثاني والأول مجاز، ولكنه سائغ جائز. قال النحاس: القول الأول أولاها وأصحها لعلو من قال به، وأنه في العربية أولى، لأن القراء على رفع العمل. ولو كان المعنى: والعمل الصالح يرفعه الله، أو العمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، لكان الاختيار نصف العمل وقيل: والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي أراد العزة وعلم أنها تطلب من الله تعالى .... قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ} ذكر الطبري في (كتاب آداب النفوس) : حدثني يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان عن ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب الأشعري في قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} قال: هم أصحاب الرياء، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو العالية: هم الذين مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمعوا في دار الندوة. وقال الكلبي: يعني الذين يعملون السيئات في السيئات في الدنيا .... ويقال: بار يبور إذا هلك وبطل. وبارت السوق أي كسدت، ومنه: نعوذ بالله من بوار الأيم. وقوله: {وكنتم قوما بورًا} (الفتح 12) أي هلكى. والمكر: ما عمل على سبيل احتيال وخديعة).