مَعَهُ الْقَصْدُ كَوَجَعِ ضِرْسٍ، وَصُدَاعٍ يَسِيرٍ، وَحُمَّى خَفِيفَةٍ، فَلَيْسَ بِعُذْرٍ وَضَبَطُوهُ: بِأَنْ تَلْحَقَهُ مَشَقَّةٌ كَمَشَقَّةِ الْمَشْيِ فِي الْمَطَرِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُمَرِّضًا لِمَرِيضٍ يَخَافُ ضَيَاعَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَيْرُهُ يَتَعَهَّدُهُ لَكِنَّهُ يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِهِ فَوَجْهَانِ، حَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْبَيَانِ (أَصَحُّهُمَا) : أَنَّهُ عُذْرٌ ; لِأَنَّ مَشَقَّةَ تَرْكِهِ أَعْظَمُ مِنْ مَشَقَّةِ الْمَطَرِ، وَلِأَنَّهُ يَذْهَبُ خُشُوعُهُ.
(وَالثَّانِي) : لَيْسَ بِعُذْرٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْمَرِيضُ قَرِيبًا أَوْ صِدِّيقًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ غَرِيبًا لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِهِ وَخَافَ ضَيَاعَهُ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ قَرِيبٌ أَوْ صَدِيقٌ يَخَافُ مَوْتَهُ، وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمِنْهَا: أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ الذَّبُّ عَنْهُ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَظْلِمُهُ أَوْ يَخَافُ مِنْ غَرِيمٍ لَهُ يَحْبِسُهُ أَوْ يُلَازِمُهُ، وَهُوَ مُعْسِرٌ.
فَيُعْذَرُ بِذَلِكَ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْخَوْفِ مِمَّنْ يُطَالِبُهُ بِحَقٍّ هُوَ ظَالِمٌ فِي مَنْعِهِ، بَلْ عَلَيْهِ تَوْفِيَةُ الْحَقِّ وَالْحُضُورُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَدْخُلُ فِي الْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ مَا إذَا كَانَ خُبْزُهُ فِي التَّنُّورِ، وَقِدْرُهُ عَلَى النَّارِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَتَعَهَّدُهُمَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَأَبَقَ، أَوْ دَابَّةٌ فَشَرَدَتْ أَوْ زَوْجَةٌ نَشَزَتْ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَيَرْجُو تَحْصِيلَهُ بِالتَّأَخُّرِ لَهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَمِنْ الْأَعْذَارِ: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، وَلَوْ ظَفَرَ بِهِ الْمُسْتَحِقُّ لَقَتَلَهُ وَيَرْجُو أَنَّهُ لَوْ غَيَّبَ وَجْهَهُ أَيَّامًا لَذَهَبَ جَزَعُ الْمُسْتَحِقِّ، وَعَفَا عَنْهُ مَجَّانًا أَوْ عَلَى مَالٍ فَلَهُ التَّخَلُّفُ بِذَلِكَ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدُّ الْقَذْفِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ: فَإِنْ لَمْ يَرْجُ الْعَفْوَ لَوْ تَغَيَّبَ لَمْ يَجُزْ التَّغَيُّبُ، وَلَمْ يَكُنْ عُذْرًا.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ مَنْ عَلَيْهِ حَدُّ شُرْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ حَدُّ زِنًا بَلَغَ الْإِمَامَ وَكَذَا كُلُّ