الْمُبَاهَاةِ بِمَا سَبَقَ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى ضَعْفِهِ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ تَسْمِيَتُهُ سَاجِدًا بِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَمَدْحُهُ عَلَى مُكَابَدَةِ الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ لَا تَثْبُتُ إلَّا تَوْقِيفًا، وَكَذَا الْعَفْوُ عَنْهَا، فَحَصَلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جُمَلٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ جَمَعْنَا بَيْنَهَا وَلَمْ نَرُدَّ مِنْهَا صَحِيحًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(الْعَاشِرَةُ) كَانَ مِنْ خَصَائِصِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ" {أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ حَتَّى سُمِعَ غَطِيطُهُ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ} "وَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" {إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي} ". فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ" {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ} ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ نَائِمِ الْقَلْبِ لَمَا تَرَكَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْقَلْبَ يَقْظَانٌ يُحِسُّ بِالْحَدَثِ، وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ وَيَشْعُرُ بِهِ الْقَلْبُ، وَلَيْسَ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا هُوَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْقَلْبِ، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ، وَهِيَ نَائِمَةٌ، وَالْجَوَابُ الثَّانِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُوَمَانِ (أَحَدُهُمَا) يَنَامُ قَلْبُهُ وَعَيْنُهُ (وَالثَّانِي) عَيْنُهُ دُونَ قَلْبِهِ، فَكَانَ نَوْمُ الْوَادِي مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا زَوَالُ الْعَقْلِ بِغَيْرِ النَّوْمِ فَهُوَ أَنْ يُجَنَّ أَوْ يُغْمَى