عَلَيْهِ أَوْ يَسْكَرَ أَوْ يَمْرَضَ فَيَزُولُ عَقْلُهُ فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، لِأَنَّهُ إذَا انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِالنَّوْمِ فَلَأَنْ يَنْتَقِضَ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ أَوْلَى، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقَاعِدِ وَغَيْرِهِ، وَيُخَالِفُ النَّوْمَ فَإِنَّ النَّائِمَ إذَا كُلِّمَ تَكَلَّمَ، وَإِذَا نُبِّهَ تَنَبَّهَ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ الْخَارِجُ وَهُوَ جَالِسٌ أَحَسَّ بِهِ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ قِيلَ: إنَّهُ قَلَّ مَنْ جُنَّ إلَّا وَيُنْزِلُ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْسِلَ احْتِيَاطًا)
الحاشية رقم: 1
(الشَّرْحُ) أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْجُنُونِ وَبِالْإِغْمَاءِ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَآخَرُونَ وَاسْتَدَلَّ لَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا {: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَاغْتَسَلَ لِيُصَلِّيَ، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَاغْتَسَلَ} "رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ سُكْرٍ بِخَمْرٍ أَوْ نَبِيذٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ لِلْحَاجَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَزَالَ عَقْلُهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إلَّا وَجْهًا لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ السَّكْرَانِ إذَا قُلْنَا: لَهُ حُكْمُ الصَّاحِي فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ، وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ غَلَطٌ صَرِيحٌ، فَإِنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ مَنُوطٌ بِزَوَالِ الْعَقْلِ، فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَاصِي وَالْمُطِيعِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالسُّكْرُ النَّاقِضُ هُوَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ شُعُورٌ، دُونَ أَوَائِلِ النَّشْوَةِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا فَرْقَ فِي كُلِّ ذَلِكَ بَيْنَ الْقَاعِدِ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. وَأَمَّا الدُّوَارُ - بِضَمِّ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَهُوَ دُوَارُ الرَّأْسِ - فَلَا يَنْقُضُ مَعَ بَقَاءِ التَّمْيِيزِ. ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَهُوَ وَاضِحٌ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي: حَدُّ الْجُنُونِ زَوَالُ الِاسْتِشْعَارِ مِنْ الْقَلْبِ مَعَ بَقَاءِ الْحَرَكَةِ وَالْقُوَّةِ فِي الْأَعْضَاءِ، وَالْإِغْمَاءُ زَوَالُ الِاسْتِشْعَارِ مَعَ فُتُورِ الْأَعْضَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."