كانت الوجبة الواحدة من الطعام الذي يقدم الي تكلف (200 - 300) روبل بينما لا تزيد أجرة العامل عن (5) روبلات في اليوم. ويقول جيد: (لقد ذهبت إلى الإتحاد السوفياتي حتى لا أجد فيها فقراء، ولكنني وجدت أناسا يعيشون في أعشاش حقيرة كل حجرة من حجرها الصغيرة بمساحة(6 قدم2) مخصصة لأربعة أفراد). (لقد آن للعمال في خارج الإتحاد السوفياتي أن يعلموا أنهم خدعوا من قبل الأحزاب الشيوعية 1كما خدع عمال الإتحاد السوفياتي من قبل) (106) . أي عامل في الإتحاد السوفياتي الآن يمكن أن يطيق سماع اسم الإشتراكية فقط؟ (107) ، أي عامل في بولندا الآن يطيق مجرد سماع اسم الإتحاد السوفياتي؟!! لقد هجر العمال بلادهم، وهرب المفكرون، وهاجرت الأدمغة، ويئس الناس، إن هواية العمال والطلاب أحيانا هي جمع صناديق الدخان الأمريكية الفارغة في بيوتهم، أو البحث عن الأعلام الأمريكية لوضعها في جيوبهم.
لقد أصبح في أعماقهم عقدة الصناعات الغربية، وأنت تستطيع أن تقدم هدية فاخرة لعامل سوفياتي، ممثلة في سيجارة واحدة أمريكية، أو قلم حبر جاف غربي. إن عقدة (الجينز: البنطال الأمريكي) ; تستحوذ على اهتمام الكثيرين في داخل الستار الحديدي الأحمر حتى أصبحت تشتري أية شخصية من خلال بنطال. حدثني أحد الطلبة الصادقين عن زميل له أن أحد الأساتذة جاء يرجوه في (حذاء غربي) يلبسه الطالب طيلة العام، وثمنه أقل من دينارين أردنيين.
وحدثني آخر أن أستاذة له (بروفسور) في الجامعة وعدته أن تعطيه ابنتها مقابل بنطالي جينز أمريكي يحضرها لها الطالب من الأردن.
لقد أصبح العامل اليوم في العالم الإشتراكي: 1 - في عمله روتينيا. 2 - في حياته متواكلا. 3 - يعيش بلا دافع ويتحرك بلا هدف. لقد خيم اليأس على كل نفس تعيش في ظلال الشيوعية، وأصبح القلق طابعا عاما لها.
لم يزدد العامل شقاء وبؤسا في العالم الغربي الصناعي كما وعد ماركس وتنبأ، بل على خلاف ماتوقع لقد ارتفعت مستويات العمال، ووجد التأمينات الإجتماعية والصحية، والحماية أثناء العطل من الفقر والعوز.
وزالت الجهالة عن العمال يوما بعد يوم، وأصبح العامل المثقف والإداري الفني. بينما البؤس يزداد في حياة العامل في العالم الإشتراكي، والشقاء يخيم عليه.
4 -من الناحية الإنسانية والشعورية والفكرية والفنية: فالماركسية تتعامل مع الإنسان كآلة من الآلات، أو حيوان يعيش بلا شعور، ويحيا بلا فكر. فقد كان فيورباخ يرى أن عظماء الرجال هم الذين يصنعون التاريخ ويقيمون الحضارات ويبنون الإقتصاد. أما ماركس فيرى أن الإقتصاد هو الذي يصنع عظماء الرجال. إن ماركس يرى أن المجتمعات البشرية عبارة عن حظائر تنقلها من حالة إلى حالة مقادير الطعام والشراب والفساد.
وبعد أن قامت الثورة البلشفية أصبح الأدب والفن والشعور والقصص والمسرحيات كلها تدور مع دولاب الآلة، وأصبح الكلام صناعة ونفاقا لأن أية كلمة تخرج عن خط الحزب ستدفن مع صاحبها تحت التراب أو تحت سياط العذاب. يقول ريمون أرون -أستاذ العلوم الإجتماعية في المدنية المعاصرة في كوليج دوفرانس: (وخرافة الثورة إلتي يذهب الماركسيون إلى أنها طوق النجاة للإنسانية من آلامها ليست الا خدعة كبيرة لا تعني سوى إضرام حرائق الفتيل لدك الأسس الحضارية للمجتمعات وسفك الدماء البريئة، ليعقبها قيام نظام دكتاتوري رهيب يفرض سيطرته بقوة الحديد والنار على جموع الشعب، وما يلازم ذلك من تقييد الحريات وخنق الأفكار وإخماد التطلعات المشروعة نحو حياة أفضل ومستقبل أمثل) (108) ، ويقول أندريه جيد (109) : (إن أية ثقافة أو فن لا يتفق مع آراء الحزب يعتبر شكليا، ويدفن ويسخر منه ولا يستطيع أن يرى النور) .