الصفحة 69 من 214

السَّلَامُ هَذَا الْمَثَلَ فِي نِسْبَةِ عِلْمِهِمَا إِلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْبَحْرَ لَا يَزَالُ تَمُدُّهُ مِيَاهُ الدُّنْيَا وَأَنْهَارُهَا الْجَارِيَةُ، فَمَهْمَا أُخِذَ مِنْهُ لَمْ يَنْقُصْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ يَمُدُّهُ مَا هُوَ أَزْيَدُ مِمَّا أُخِذَ مِنْهُ، وَهَكَذَا طَعَامُ الْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَدُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [الْوَاقِعَةِ: 32 - 33] ، وَقَدْ جَاءَ:"أَنَّهُ كُلَّمَا نُزِعَتْ ثَمَرَةٌ، عَادَ مَكَانَهَا مِثْلُهَا"وَرُوِيَ"مِثْلَاهَا"، فَهِيَ لَا تَنْقُصُ أَبَدًا وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ:"وَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ، لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا"خَرَّجَاهُ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلَفْظُهُ:"وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَنْقُصُونَهُ شَيْئًا". وَهَكَذَا لَحْمُ الطَّيْرِ الَّذِي يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَسْتَخْلِفُ وَيَعُودُ كَمَا كَانَ حَيًّا لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ فِيهَا ضَعْفٌ، وَقَالَهُ كَعْبٌ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ مِنْ قَوْلِهِ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: وَكَذَلِكَ الشَّرَابُ يَشْرَبُ مِنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ نَفَسُهُ، ثُمَّ يَعُودُ مَكَانَهُ. وَرُئِيَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمُدَّةٍ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: مَا أَكَلْتُ مُنْذُ فَارَقْتُكُمْ إِلَّا بَعْضَ فَرْخٍ، أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ طَعَامَ الْجَنَّةِ لَا يَنْفَدُ؟. وَقَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ لَا يَنْقُصُ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْعَطَاءِ بِقَوْلِهِ:"ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ، أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ"وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النَّحْلِ: 40] . وَفِي"مُسْنَدِ الْبَزَّارِ"بِإِسْنَادٍ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"خَزَائِنُ اللَّهِ الْكَلَامُ، فَإِذَا أَرَادَ شَيْئًا، قَالَ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ"فَهُوَ سُبْحَانُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا مِنْ عَطَاءٍ أَوْ عَذَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْقُصَ هَذَا؟ وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا، قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، كَمَا قَالَ: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آلِ عِمْرَانَ: 59] . وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مُوسَى،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت