الْكَلَامَ كِنَايَةً عَنِ الْعُنْفِ فِي السِّيَاقِ، وَالْإِلْحَاحِ وَالتَّشْدِيدِ فِي الْإِرْهَاقِ، مِنْ غَيْرِ تَنْفِيسٍ وَلَا إِمْهَالٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ بَسْطُ يَدٍ وَلَا قَوْلُ لِسَانٍ. وَكُلٌّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ جَائِزٌ لُغَةً لَا تَكَلُّفَ فِيهِ، وَكَانَ يَكُونُ مُتَعَيِّنًا لَوْ كَانَ صُدُورُ مَا ذُكِرَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ مُتَعَذِّرًا، وَلَوْ كُشِفَ لِصَاحِبَيِ الْكَشَّافِ وَالْكَشْفِ الْحِجَابُ عَنْ تَمَثُّلِ الْمَلَائِكَةِ لِلْبَشَرِ بِمِثْلِ صُوَرِهِمْ وَمُخَاطَبَتِهِمْ بِمِثْلِ كَلَامِهِمْ، لَرَأَيَا أَنَّهُمَا فِي مَنْدُوحَةٍ عَنِ الْعُدُولِ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى التَّمْثِيلِ أَوِ الْكِنَايَةِ. وَقَدْ تَعَقَّبَ الْأَوَّلَابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مُمْكِنَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا مَعْدُولَ عَنْهَا.
(الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ تَتِمَّتُهُ هُنَا. وَالْيَوْمَ فِي اللُّغَةِ الزَّمَنُ الْمَحْدُودُ بِصِفَةٍ أَوْ عَمَلٍ يَقَعُ فِيهِ كَأَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَأَيَّامِ الْعَرَبِ الْمَعْرُوفَةِ فِي تَحْدِيدِ وَقَائِعِهَا وَحُرُوبِهَا. وَالْمُرَادُ بِهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ الَّذِي يُبْعَثُ النَّاسُ فِيهِ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَقْتُ الْمَوْتِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي بَسْطِ الْيَدِ، وَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ الْآخَرُ إِلَّا إِذَا صَحَّ جَعْلُ وَقْتِ الْمَوْتِ مَبْدَأَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَالْمَعْنَى: الْيَوْمَ تَلْقَوْنَ عَذَابَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ. لَا ظُلْمًا مِنَ الرَّحْمَنِ، بَلْ جَزَاءَ ظُلْمِكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ بِسَبَبِ مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ مُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ كَقَوْلِ بَعْضِكُمْ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، وَزَعْمِ بَعْضٍ آخَرَ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَجَحْدِ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ لِمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الصِّفَاتِ، وَاتِّخَاذِ أَقْوَامٍ لَهُ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَاسْتِكْبَارِ آخَرِينَ عَمَّا نَصَّهُ وَأَنْزَلَهُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، احْتِقَارًا مِنْ بَعْضِهِمْ لِمَنْ كَرَّمَهُ اللَّهُ بِإِظْهَارِهَا عَلَى يَدِهِ وَلِسَانِهِ، وَخَشْيَةِ بَعْضٍ آخَرَ مِنْ تَعْيِيرِ عُشَرَائِهِ وَأَقْرَانِهِ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: وَلَوْ تَرَى أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ بِهَذَا مَا يَحِلُّ بِالظَّالِمِينَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَيَوْمَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ مِمَّا ذُكِرَ لَرَأَيْتَ أَمْرًا عَظِيمًا وَعَذَابًا أَلِيمًا" [1] ."
(1) تفسير المنار ... » سورة الأنعام ... » تفسير قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله» الجزء السابع