السَّابِعَةُ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْآيَةُ: فِي مُقَابَلَةِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي (بَرَاءَةٌ) وَهِيَ قَوْلُهُ: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، فَكَمَا نَفَى اللَّهُ السَّبِيلَ عَمَّنْ أَحْسَنَ فَكَذَلِكَ نَفَاهَا عَلَى مَنْ ظُلِمَ، وَاسْتَوْفَى بَيَانَ الْقِسْمَيْنِ.
الثَّامِنَةُ: وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي السُّلْطَانِ يَضَعُ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مَالًا مَعْلُومًا يَأَخُذُهُمْ بِهِ وَيُؤَدُّونَهُ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، هَلْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ، وَهُوَ إِذَا تَخَلَّصَ أَخَذَ سَائِرَ أَهْلِ الْبَلَدِ بِتَمَامِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِمْ. فَقِيلَ لَا، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقِيلَ: نَعَمْ، لَهُ ذَلِكَ إِنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ ثُمَّ الْمَالِكِيُّ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِي السَّاعِي يَأْخُذُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِ الْخُلَطَاءِ شَاةً وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا نِصَابٌ إِنَّهَا مَظْلَمَةٌ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ لَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَلَسْتُ آخُذُ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ ; لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا أُسْوَةَ فِيهِ، وَلَا يُلْزَمُ أَحَدٌ أَنْ يُولِجَ نَفْسَهُ فِي ظُلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يُضَاعَفَ الظُّلْمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ.
التَّاسِعَةُ: وَاخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْلِيلِ، فَكَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لَا يُحَلِّلُ أَحَدًا مِنْ عِرْضٍ وَلَا مَالٍ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يُحَلِّلَانِ مِنَ الْعِرْضِ وَالْمَالِ. وَرَأَى مَالِكٌ: التَّحْلِيلُ مِنَ الْمَالِ دُونَ الْعِرْضِ. رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (لَا أُحَلِّلُ أَحَدًا) فَقَالَ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُسَلِّفُ الرَّجُلَ فَيَهْلَكُ وَلَا وَفَاءَ لَهُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَلِّلَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدِي، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى: يَقُولُ: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. فَقِيلَ لَهُ: الرَّجُلُ يَظْلِمُ الرَّجُلَ؟ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، هُوَ عِنْدِي مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَقُولُ تَعَالَى: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ فَلَا أَرَى أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فِي حِلٍّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لَا يُحَلِّلُهُ بِحَالٍ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ. الثَّانِي: يُحَلِّلُهُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ