وَالْأَصْلُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ أَنَّ الطَّاعَةَ الْوَاجِبَةَ فِي الشَّرْعِ هِيَ لِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْأَئِمَّةِ (الْخُلَفَاءِ) وَنُوَّابِهِمْ مِنَ السَّلَاطِينِ وَأُمَرَاءِ الْجُيُوشِ وَالْوُلَاةِ، وَكُلُّهَا مُقَيَّدَةٌ بِالْمَعْرُوفِ مِنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، دُونَ الْمَحْظُورِ. وَأَمَّا طَاعَةُ الْمُتَغَلِّبِينَ فَهِيَ لِلضَّرُورَةِ، وَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَيَجِبُ إِزَالَتُهَا عِنْدَ الْإِمْكَانِ مِنْ غَيْرِ فِتْنَةٍ تُرَجِّحُ مَفْسَدَتَهَا عَلَى الْمَصْلَحَةِ، فَخُرُوجُ الْإِمَامِ الْحُسَيْنِ السِّبْطِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى يَزِيدَ الظَّالِمِ الْفَاسِقِ كَانَ حَقًّا مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ، وَلَكِنَّهُ مَا أَعَدَّ لَهُ عُدَّتَهُ الْكَافِيَةَ، بَلْ خَذَلَهُ مَنْ عَاهَدُوهُ عَلَى نَصْرِهِ، وَقَدِ امْتَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَفَرَّ مِنْهَا الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ مَالِكٍ مَا كَانَ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ تَرَكَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ مَعَ وُلَاتِهِمْ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ (مَرَاتِبُ الْإِجْمَاعِ) : وَاتَّفَقُوا أَنَّ الْإِمَامَ الْوَاجِبُ إِمَامَتُهُ، فَإِنَّ طَاعَتَهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً فَرْضٌ، وَالْقِتَالُ دُونَهُ فَرْضٌ، وَخِدْمَتُهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَاجِبَةٌ، وَأَحْكَامُهُ وَأَحْكَامُ مَنْ وَلَّى نَافِذَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَ مُدُنِ الطَّرَفَيْنِ مِنْ إِمَامٍ قُرَشِيٍّ غَيْرِ عَدْلٍ أَوْ مُتَغَلِّبٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ إِلَخْ. وَأَوْرَدَ الشَّوْكَانِيُّ فِي الْبَابِ مِنْ"نَيْلِ الْأَوْطَارِ"حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ:"بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي شَرْحِهِ مَا نَصُّهُ:
قَوْلُهُ:"عِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ"أَيْ: نَصُّ آيَةٍ، أَوْ خَبَرٌ صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ مَا دَامَ فِعْلُهُمْ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعْصِيَةُ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لَا تُنَازِعُوا وُلَاةَ الْأُمُورِ فِي وِلَايَتِهِمْ، وَلَا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقَّقًا تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَنْكِرُوا عَلَيْهِمْ وَقُولُوا بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ. انْتَهَى.