تُرَادَ بِهِ حَقِيقَتُهُ ; لِأَنَّهُ أَشَدُّ الْوَعِيدِ عَلَى مَا لَا يَسْتَطِيعُ بَشَرٌ اتِّقَاءَهُ إِلَّا بِعِصْمَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا سَتَرَى فِي تَفْسِيرِهِمْ لَهُ، أَمَا وَالْحَقُّ مَا قُلْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ الرُّكُونَ إِلَى الشَّخْصِ أَوِ الشَّيْءِ هُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِنَادُ إِلَيْهِ وَجَعْلُهُ رُكْنًا شَدِيدًا لِلرَّاكِنِ، فَأَجْدَرُ بِقَلِيلِهِ أَنْ يُتَعَذَّرَ اجْتِنَابُهُ عَلَى أَكْمَلِ الْبَشَرِ إِلَّا بِالْعِصْمَةِ وَالتَّثْبِيتِ الْخَاصِّ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ يَنْهَى جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمَيْلِ الْيَسِيرِ إِلَى مَنْ وَقَعَ مِنْهُ أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الظُّلْمِ؟
لَمْ يَكُنْ مَيْلُ النَّفْسِ الطَّبْعِيُّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَرْحَامِهِمُ الْمُشْرِكِينَ الظَّالِمِينَ وَلَا الْبِرُّ بِهِمْ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرُّكُونِ إِلَيْهِمْ الْخَاصُّ بِالْوِلَايَةِ لَهُمْ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَلَا مِنَ الْمَيْلِ إِلَيْهِمْ لِأَجْلِ الظُّلْمِ. وَلَمَّا فَعَلَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعْلَتَهُ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْوِلَايَةِ الْحَرْبِيَّةِ مِنْهَا إِلَى صِلَةِ الرَّحِمِ كَمَا تَأَوَّلَهَا، أَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - سُورَةَ الْمُمْتَحِنَةِ الَّتِي نَهَى فِيهَا عَنْ وِلَايَةِ الْمُشْرِكِينَ الظَّالِمِينَ الْمُقَاتِلِينَ فِي الدِّينِ وَالْمَوَدَّةِ فِيهَا وَقَالَ: - وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - 60: 9 وَأَذِنَ بِالْبِرِّ وَالْقِسْطِ لِغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ، وَلَا تَنْسَ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ نُزُولِ قَوْلِهِ - تَعَالَى: - إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ - 28: 56 فِي حِرْصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى إِسْلَامِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي كَفَلَهُ فِي صِغَرِهِ، وَكَانَ يَحْمِيهِ وَيُنَاضِلُ عَنْهُ فِي نُبُوَّتِهِ، وَاذْكُرْ قَوْلَ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَهُ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ:"كَلَّا وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ"إِلَخْ.
بَلْ لَمْ تَكُنِ الثِّقَةُ بِبَعْضِ الْمُشْرِكِينَ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِمْ فِي أَهَمِّ الْأَعْمَالِ مِنَ الرُّكُونِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَقَدْ وَثِقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمُشْرِكٍ مِنْ بَنِي الدَّيْلِ وَائْتَمَنَاهُ عَلَى الرَّاحِلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هَاجَرَا عَلَيْهِمَا لِيُوَافِيَهُمَا بِهِمَا فِي