الصفحة 135 من 214

وَقَدْ حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَمَالَ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَامٌّ فِي الْحَالَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِمَا إِذَا كَانَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُشَيْشٍ وَمَنْصُوصِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْفَسْخِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ إِذَا رَغِبَ فِي رَدِّ السِّلْعَةِ الْأُولَى عَلَى بَائِعِهَا، فَإِنَّهُ يَتَسَبَّبُ إِلَى رَدِّهَا عَلَيْهِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الطُّرُقِ الْمُقْتَضِيَةِ لِضَرَرِهِ، وَلَوْ بِإِلْحَاحٍ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمَا أَدَّى إِلَى ضَرَرِ الْمُسْلِمِ، كَانَ مُحَرَّمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا: هَذَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالتَّعْلِيلِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ إِذَا تَرَكُوا التَّحَاسُدَ، وَالتَّنَاجُشَ، وَالتَّبَاغُضَ، وَالتَّدَابُرَ، وَبَيْعَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، كَانُوا إِخْوَانًا.

وَفِيهِ أَمْرٌ بِاكْتِسَابِ مَا يَصِيرُ الْمُسْلِمُونَ بِهِ إِخْوَانًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ أَدَاءُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ، وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، وَالِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَالنُّصْحِ بِالْغَيْبِ.

وَفِي"التِّرْمِذِيَّ"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَخَرَّجَهُ غَيْرُهُ، وَلَفْظُهُ: تَهَادَوْا تَحَابُّوا.

وَفِي"مُسْنَدِ الْبَزَّارِ"عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ.

وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَرْفَعُ الْحَدِيثَ - قَالَ: تَصَافَحُوا، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الشَّحْنَاءَ، وَتَهَادَوْا.

وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُصَافَحَةُ تَزِيدُ فِي الْوُدِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت