الصفحة 107 من 214

قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} إلَى قَوْلِهِ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} وَقَالَ: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} إلَى قَوْلِهِ {أَفَلَا يَتُوبُونَ إلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَهَذَا الْقَوْلُ الْجَامِعُ بِالْمَغْفِرَةِ لِكُلِّ ذَنْبٍ لِلتَّائِبِ مِنْهُ - كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ - هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَثْنِي بَعْضَ الذُّنُوبِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أَنَّ تَوْبَةَ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ لَا تُقْبَلُ بَاطِنًا لِلْحَدِيثِ الْإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي فِيهِ:" {فَكَيْفَ مَنْ أَضْلَلْت} ".

وَهَذَا غَلَطٌ ; فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ أَنَّهُ يَتُوبُ عَلَى أَئِمَّةِ الْكُفْرِ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ مِنْ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الْكَرَمِ عَذَّبُوا أَوْلِيَاءَهُ وَفَتَنُوهُمْ ثُمَّ هُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى التَّوْبَةِ.

وَكَذَلِكَ تَوْبَةُ الْقَاتِلِ وَنَحْوِهِ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ وَلَا نُصُوصَ الْوَعِيدِ - فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ - بِمُنَافِيَةٍ لِنُصُوصِ قَبُولِ التَّوْبَةِ فَلَيْسَتْ آيَةُ الْفُرْقَانِ بِمَنْسُوخَةٍ بِآيَةِ النِّسَاءِ ; إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فِيهِ وَعِيدٌ فَإِنَّ لُحُوقَ الْوَعِيدِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ ; إذْ نُصُوصُ التَّوْبَةِ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ النُّصُوصِ كَالْوَعِيدِ فِي الشِّرْكِ وَأَكْلِ الرِّبَا وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَالسِّحْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الذُّنُوبِ. وَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: تَوْبَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ الَّتِي تُلَائِمُ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّوْبَةَ الْمُجَرَّدَةَ تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ مِنْ الْعِقَابِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت