فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 278

أراده الحق سبحانه لهما، أو عن سائر أهل الأرض إن أراد إفناءهم جميعا، والاستفهام في هذه الآية لإنكار جراءتهم على مقام الألوهية، وإبطال دعواهم الحلول والاتحاد والتثليت، وتسفيه تصورهم لوحدانية الله وصمديته، وتوبيخهم على ما اقترفوا، إذ الأمر كله له تعالى وحده، مشيئته نافذة وإرادته مطلقة، وسلطانه شامل قاهر، لا يملك جلب النفع أو دفع الضرر أو خلق الموت والحياة في جميع الكائنات إلا هو تبارك وتعالى، ولا تملك نفس لنفس شيئا إلا بدعاء صادق يقبله عز وجل، أو شفاعة يأذن بها لمن ارتضاه، لأنه تعالى صاحب الملك المطلق التام للسماوات والأرض وما بينهما:

{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} يتصرف في الكون بما تقتضيه حكمته {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} في السماوات والأرض، إبداعا لأجَل يشاؤه وإفناء في أجَل يقدِّره، لا يشترط عليه أن يخلق بطريقة معينة أو هيئة مخصوصة، كما في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} العنكبوت 19، وهو لذلك يخلق من العدم، ويخلق من ذكر وأنثى، ويخلق من ذكر دون أنثى، ومن أنثى دون ذكر، والآية في آدم عليه السلام إذ خُلق من دون أب ولا أم أشدُّ وضوحا وإعجازا منها في عيسى عليه السلام إذ خُلق من أم بلا أب، وليس لمن يؤمن بالله تعالى وقدرته المطلقة أن يفتن بأحدهما، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا حد لقدرته ولا معترض على إرادته.

أما الركن الثاني من التصور الإيماني الذي أصابه الخلل لدى أهل الكتاب، فهو العلاقة بين الخالق والمخلوق، في قوله تعالى عنهم:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} ولذلك يزعمون أنه سوف يعاملهم معاملة الأب لأبنائه والحبيب لحبيبه، فلا يعذبهم بذنوبهم في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يدخلهم النار إلا أياما معدودات كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} آل عمران 24. وهذا خلل في تصورهم لعلاقتهم بالله تعالى وفي تصورهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت