فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 278

قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} المائدة 3

جرت عادة الفصحاء والحكماء أن يجعلوا خاتمةَ ما يُنجِزون ويدبِّجون، ملخِّصةً لما سبق إنجازه ومتممةً بالشرح والبيان لما يحتاج إلى شرح وبيان، ومضيفةً ما لا يكمل الأمر إلا به تذييلا وتعقيبا، سواء كان ذلك قولا أو عملا، دراسة علمية أو فكرية أو عقدية أو أدبية أو مرافعة جدلية، من أجل ذلك كان بناء سور القرآن الكريم وترتيب آياته وسلاسة ألفاظه ودقة تعابيره وبلاغة معانيه مَعْلَمةً تشرئب إليها أعناق العلماء عاجزة، وتتسامى نحوها همم الحكماء حسيرة، وتتطلع إليها أبصار البلغاء كليلة، تتضح هذه الظاهرة القرآنية بجلاء لكل من ألقى نظرة متأنية متدبرة فاحصة لسورة المائدة، وقد كانت آخر سورة في البناء العقدي والنفسي والتشريعي للأمة المسلمة، لم ينزل بعدها إلا سورة النصر كما ورد في بعض الروايات، وكلتاهما نذير بتمام الدين وانقطاع الوحي والتحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى.

لذلك بادر الوحي الكريم في هذه السورة إلى إنزال ما بقي من تشريعات الأطعمة كي يكتمل للمؤمن أمر دينه في هذا المجال، فتنفسح له أبواب السماء بالقبول، وأبواب الجنان بالترحاب، لا سيما والمطاعم الفاسدة بعد الشرك من أهم عقبات الطريق وعوائق السلوك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نبَتَ منَ السُّحْتِ وكلُّ لحمٍ نبَتَ منَ السُّحْتِ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ) .

ولئن كان الحق سبحانه قد امتن على المؤمنين في سورة"يس"وهي مكية بخلق الأنعام وتذليلها لهم إذ قال عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} يس 71/ 73، ثم قرر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت